تأجيل الانتخابات.. جريمة جديدة بحق المواطن الفلسطيني

تأجيل الانتخابات.. جريمة جديدة بحق المواطن الفلسطيني

بقلم: ماجد هديب

في الوقت الذي يتواصل فيه قتل الأطفال قصفًا وحرقًا وجوعًا، وفي الوقت الذي تتعرض فيه المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية للقصف والتدمير، ويُهجّر سكانها ويُدفعون إلى العيش في خيام لا تحميهم من برد الشتاء ولا من حر الصيف، وفي الوقت الذي لا يجد فيه هؤلاء المشردون ثمن وجبة طعام أو شربة ماء، بعدما فقدوا مصادر رزقهم وممتلكاتهم، يصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا جديدًا بتأجيل الانتخابات الفلسطينية إلى العام المقبل.

إن هذا القرار يضعنا أمام أسئلة سياسية وأخلاقية لا يجوز التهرب من الإجابة عنها، وفي مقدمتها: هل أصبح المواطن الفلسطيني ضحية قرارات لا يمتلك حق الاعتراض عليها، ومنها المرسوم الرئاسي الأخير الذي يحرمه مجددًا من ممارسة حقوقه الدستورية، في الوقت الذي يُحرم فيه من أبسط مقومات الحياة تحت وطأة الاحتلال وما يفرضه من قتل وتجويع وتهجير؟

تأجيل الانتخابات.. اعتداء جديد على الحقوق السياسية

نعم، علينا أن نقول بصوت مرتفع إن المواطن الفلسطيني يتعرض، في تقديري، لجريمة سياسية جديدة تُضاف إلى ما يتعرض له من جرائم الاحتلال.

فأي شرعية تلك التي تمنح الرئيس الفلسطيني حق إصدار المراسيم المتتالية التي تؤدي إلى حرمان المواطنين من ممارسة حقوقهم السياسية والدستورية، وفي مقدمتها حق انتخاب ممثليهم ومحاسبة من يتولى إدارة شؤونهم؟

لقد جاء مرسوم تأجيل الانتخابات في وقت كان المواطن الفلسطيني ينتظر فيه فرصة لممارسة حقه في الاختيار والمساءلة، وربما لمعاقبة من يحمّلهم مسؤولية ما يعيشه من نكبات وأزمات، بمن فيهم الرئيس والقيادات السياسية القائمة.

إن المأساة الفلسطينية لا تتمثل في القتل والتدمير والتهجير وحدها، بل تتفاقم عندما يجد الإنسان الفلسطيني نفسه محاصرًا بين احتلال يسلبه أمنه ومقومات حياته، وبين واقع سياسي يحرمه من المشاركة في اختيار قيادته ومحاسبتها.

صحيح أن الاحتلال يتحمل المسؤولية عن سياساته وجرائمه، لكن وجود الاحتلال لا يمنح القيادة الفلسطينية مبررًا للتنصل من مسؤولياتها في حماية الحقوق السياسية لشعبنا، ولا يمنحها حصانة من المساءلة أو سلطة مطلقة في تعطيل الاستحقاقات الديمقراطية.

هل الانتخابات حق للشعب أم قرار بيد السلطة والفصائل؟

من هنا، أضع أمام الرئيس محمود عباس مجموعة من الأسئلة الملحة التي أراها جوهرية في هذه المرحلة:

هل الانتخابات حق أصيل للشعب الفلسطيني، أم أنها قرار بيد الرئيس والفصائل السياسية التي أنهكت شعبنا بصراعاتها وحساباتها التنظيمية، وأسهمت، من وجهة نظري، في حرف بوصلته عن أهدافه الوطنية؟

وما الضمانات العملية التي تجعل الموعد الوارد في المرسوم الأخير التزامًا قابلًا للتنفيذ، وليس مجرد محطة جديدة ضمن سلسلة طويلة من المواعيد المؤجلة، خصوصًا أن مبررات التأجيل الحالية تتشابه مع المبررات التي طُرحت عند تأجيل انتخابات عام 2021؟

إن هذه الأسئلة لا تُطرح من باب الاستعطاف، ولا من باب التمني على الرئيس إعلان موعد جديد، بل من أجل تحديد طبيعة هذا الحق: هل هو حق دستوري وديمقراطي لا يجوز تعطيله إلا وفق ضوابط واضحة، أم استحقاق يمكن تأجيله كلما اصطدم بحسابات شخصية أو تنظيمية؟

فإذا كانت الانتخابات حقًا أصيلًا للشعب، فإن الأصل هو العمل على إجرائها وتوفير الظروف اللازمة لذلك، لا تحويل الاستثناء إلى قاعدة دائمة، ولا سيما أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية لم تُجر منذ نحو عشرين عامًا.

غزة بين كارثة إنسانية وأزمة مساءلة سياسية

ما يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم، وخصوصًا في قطاع غزة، ليس مجرد أزمات معيشية منفصلة عن السياسة، بل هو واقع كارثي تداخلت في تشكيله سياسات الاحتلال والحرب، إلى جانب الإخفاقات والانقسامات السياسية الفلسطينية التي تستوجب بدورها المحاسبة.

ولذلك تصبح الانتخابات، في هذه المرحلة، أداة أساسية لمساءلة القيادات عن أدائها وسياساتها وقراراتها، ووسيلة لفتح المجال أمام برامج جديدة لمعالجة ما أصاب المواطنين من خسائر في البيوت والأعمال والوظائف والممتلكات، فضلًا عن الأرواح التي لا يمكن تعويضها.

إن المواطن الفلسطيني بحاجة إلى قيادة تقدم له رؤية واضحة لإعادة الإعمار، وتأمين الغذاء والدواء والتعليم والسكن والعمل، لا أن يُطلب منه الصبر والثبات وحدهما، وكأن الصبر يمكن أن يكون بديلًا عن المسؤولية السياسية والاجتماعية.

ولا يجوز أن تتحول الدعوة إلى الصبر على المحنة إلى وسيلة لتبرير التقاعس عن تقديم ما يمكن تقديمه من حماية وإسناد ومساعدات، أو إلى ذريعة لإعفاء المسؤولين من واجبهم تجاه المواطنين.

القيادة ليست ملكية سياسية والشرعية ليست تفويضًا إلهيًا

على القيادة الفلسطينية التي تطلب من شعبها الصبر في مواجهة الحرب والجوع والتشرد أن تعمل، أولًا وقبل كل شيء، على إسناده في مواجهة هذه الكوارث، وأن تبذل ما تستطيع لتأمين الغذاء والمأوى والخدمات الأساسية والحياة الكريمة.

فبئس القيادة التي تكتفي بمطالبة مواطنيها بالصبر دون أن تقدم لهم مقومات الصمود، ودون أن تضع أمامهم خططًا واضحة لمعالجة الفقر والبطالة والتشرد والخسائر الاقتصادية والاجتماعية.

على هذه القيادة أن تدرك أن القيادة ليست ملكية سياسية، وأن الشرعية ليست تفويضًا إلهيًا، وأن الشعب ليس مجموعة من الرعايا في إقطاعيات سياسية يُستدعون عند الحاجة إليهم، ثم يُحرمون من حقهم في الاختيار والمساءلة.

إن الشعب الفلسطيني ليس تابعًا لهذا الفصيل أو ذاك، وليس ملكًا لأي سلطة أو قيادة، بل هو مصدر الشرعية وصاحب الحق في تحديد مستقبله السياسي.

ومن هنا، فإن المطلوب هو وضع صناديق الاقتراع أمام المواطنين لانتخاب من يرون أنه الأقدر على إدارة شؤونهم وحماية حقوقهم، بدل استمرار الواقع الذي يفتقر فيه المواطن إلى الوسائل الديمقراطية الفاعلة لتغيير من يحملهم مسؤولية إخفاقاته.

لا تجعلوا الانتخابات ورقة للمحاصصة والحسابات التنظيمية

لا بد من توجيه رسالة واضحة إلى القيادة الفلسطينية، سواء تلك التي حازت شرعيتها عبر صناديق الاقتراع في مراحل سابقة، أو تلك التي فرضت سلطتها بحكم الأمر الواقع، وإلى جميع القوى السياسية والاجتماعية.

إن الشعب الفلسطيني لا يواجه أزمة سياسية عابرة، بل يواجه أخطار الموت والدمار والتهجير وفقدان الممتلكات ومصادر الرزق، في ظل تحديات تهدد مستقبله الوطني والاجتماعي.

ولذلك، لا تطلبوا منه الصبر فقط دون أن توفروا له عوامل الصمود، ولا تجعلوا من معاناته فرصة لإعادة إنتاج الصراعات والمحاصصة التنظيمية التي استنزفت طاقاته وأضعفت مؤسساته.

المطلوب اليوم، وقبل فوات الأوان، الخروج من منطق الحسابات الفصائلية الضيقة، والتعامل مع الانتخابات باعتبارها استحقاقًا وطنيًا، لا ورقة تفاوض بين القوى السياسية ولا وسيلة لحماية مواقع النفوذ.

كما أن المطلوب تقديم برامج حقيقية لا تقتصر على إنهاء الانقسام، بل تتناول معالجة البطالة والفقر، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتعويض المتضررين، وتطوير المؤسسات والخدمات، واستعادة ثقة المواطن بالنظام السياسي الفلسطيني.

صندوق الاقتراع حق للمواطن وليس منّة من القيادة

بعد كل ما تعرض له الفلسطينيون من خسائر ومعاناة، بات من الضروري أن تضع القيادات نفسها أمام المواطنين للمساءلة السياسية، وأن تتيح لهم فرصة الحكم على أدائها عبر انتخابات حقيقية ونزيهة.

فالانتخابات ليست منّة تمنحها السلطة متى تشاء، والمساءلة ليست تهديدًا لوجود المؤسسات، وإنما هما من الحقوق والمبادئ الأساسية التي تقوم عليها أي ممارسة ديمقراطية.

وإذا كان الفلسطيني قد حُرم من عمله وبيته وممتلكاته وأمنه، فلا يجوز أن يُحرم كذلك من صوته، ومن فرصة إعادة اختيار من يراه مناسبًا لقيادته والخروج به من الأزمات والمحن المتراكمة.

إن استمرار تأجيل الانتخابات لا يقدم حلًا للمأزق الوطني، بل يضيف، في رأيي، أزمة جديدة إلى الأزمات القائمة، ويعمق المسافة بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أنها تمثله.

ومن دون مساءلة حقيقية وتجديد للشرعية وإعادة الاعتبار لدور المواطن في القرار السياسي، ستبقى الديمقراطية مجرد شعار، وستظل الحقوق السياسية عرضة للتأجيل كلما تعارضت مع مصالح القوى المتنفذة.

الانتخابات حق لا يقبل المصادرة

إن المواطن الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والحرب والفقر والتهجير يحتاج إلى قيادة مسؤولة أمامه، وإلى مؤسسات يختار ممثليها بإرادته الحرة. فلا تحرموه من صوته، بعدما حُرم من كثير من مقومات حياته، ولا تجعلوا تأجيل الانتخابات جريمة سياسية أخرى تضاف إلى سجل معاناته.

تنويه: هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ماجد هديب، ولا يعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.