تداعيات موقف بغداد على العرب: قراءة في الماضي والحاضر

 

تداعيات موقف بغداد على العرب: قراءة في الماضي والحاضر

 

بقلم: عبد حامد | مقال رأي

حين وقفت بغداد، دار السلام، موقفها البطولي الخالد في مطلع ثمانينيات القرن الماضي؛ لم تكن تدافع عن حدودها الجغرافية الفاصلة فحسب، بل كانت تستحضر في وجدانها مجد الأجداد وبطولات العظام من قادة الأمة: كـ "سعد وخالد وصلاح الدين"، وامتداداً لرموز المقاومة الحديثة كـ "عمر المختار وعبد القادر الجزائري". لقد كان موقفاً تاريخياً تجلت فيه أسمى معاني التضحية لصدّ واحدة من أخطر الهجمات التوسعية التي استهدفت الأمة العربية في تاريخها المعاصر.

في تلك المرحلة الحرجـة، تفجّر ما سُمي بـ "الثورة الإسلامية" في إيران، معلناً بوضوح عن نوايا "تصدير الثورة" إلى الجوار العربي، وفي مقدمته دول الخليج العربي. وكان اختيار العراق كجبهة أولى للمواجهة اختياراً استراتيجياً من قِبل طهران؛ لإدراكهم اليقيني أن سقوط البوابة الشرقية للعالم العربي يعني تلقائياً تهاوي بقية العواصم وسهولة قضم الأمة كحلقات متتالية. وفي الوقت الذي انساق فيه الكثيرون – ومن بينهم عرب – وراء الشعارات البراقة لتلك الثورة معتقدين بـأصالتها، كان العراق، بقيادته ودولته وشعبه، يمتلك بعد نظرٍ مغاير وعميق؛ إذ أدرك أن خلف هذا القناع الديني يختبئ استعمار جديد، وعدوان توسعي يحمل حقداً دفيناً على كل ما هو عربي، ويطمح لإعادة إحياء أمجاد الإمبراطورية الفارسية الغابرة.

لأجل ذلك، خاض العراق حرباً شرسة دفاعاً عن عروبته وعروبة جيرانه، ووقف كالجبل الأشم مقدماً تضحيات جساماً؛ ملايين من أبنائه قضوا بين شهيد وجريح ومعاق، فضلاً عن آلاف الأسرى الذين امتدت مأساتهم لأكثر من عقدين، والذين ما تزال مجازر إعدامهم شاهدة على وحشية ذلك العدوان. ورغم الكلفة المالية الباهظة والظروف الاقتصادية الطاحنة، استطاع العراق بصلابته أن يرغم القيادة الإيرانية على تجرع كـأس السم وقبول قرارات مجلس الأمن بوقف الحرب بعد سنوات طويلة من الرفض والمماطلة. لقد دحر العراق ذلك المخطط التدميري، وسطّر نصراً باهراً أتاح للأمة العربية أن ترفل لسنوات في ظلال الأمن والرخاء والسلام.

 

غير أن هذا التميز والقوة العراقية لم يرق للقوى الدولية المتربصة. تداعت القوى الباغية بالتعاون والتنسيق مع إيران للإيقاع بجمجمة العرب، فحشدوا جيوشهم من كل حدب وصوب لغزو العراق عام 2003، ضاربين بعرض الحائط شرعية مجلس الأمن الدولي وبلا أي وجه حق.

وقع الغزو بذرائع واهية وكاذبة، سرعان ما اعترفت قوات الاحتلال نفسها ببطلانها لاحقاً؛ بل إن كبار الساسة والمسؤولين في أمريكا – التي قادت العدوان – أقروا صراحة بأن بلادهم لم تجنِ أي فائدة من هذا الغزو، سوى إغراق المنطقة في مآسٍ مروعة وكوارث إنسانية غير مسبوقة.

وكانت تداعيات سقوط حارس البوابة الشرقية كارثية ومزلزلة على الأمن القومي العربي؛ إذ تحولت عواصم عربية أصيلة إلى مناطق نفوذ وعمق استراتيجي وقواعد متقدمة لطهران، تنطلق منها لإضعاف واستهداف بقية الدول الشقيقة.

وكانت تداعيات سقوط حارس البوابة الشرقية كارثية ومزلزلة على الأمن القومي العربي

واليوم، حين يرقب المواطن العربي بمرارة وحسرة الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية وهي تستهدف الرياض – عاصمة بلاد الحرمين الشريفين – ومطاراتها ومنشآتها المدنية، موقعة مئات الضحايا من الأبرياء، يتفجر في صدره غضب عارم وألم دافق. ويتذكر بكثير من القهر، كيف أُجبر العراق عبر الحصار والقرارات الدولية الجائرة على تدمير ترسانته الصاروخية وقوته الردعية، رغم أنه لم يستخدمها يوماً إلا لحماية أمن العرب وكرامتهم وردع المعتدين عليهم؛ بينما تُترك صواريخ إيران وأذرعها اليوم لتهدد أمن الإمارات والكويت والبحرين وعموم الخليج العربي دون رادع حقيقي.

إن ما يجري اليوم هو إعادة إنتاج وتكرار حرفي لذات النهج العدواني السافر الذي واجهه العراق وحيداً في الثمانينيات قبل أن يباشر بالردع العسكري بعد استنفاد كافة الوسائل السلمية والدبلوماسية لتكف إيران يدها عنه وعن الأمة.

واللافت في المشهد، أن دول الخليج العربي لم تستهدف إيران يوماً، ولم تبادرها بالعداء؛ بل التزمت ضبط النفس وصبرت طويلاً على استفزازات طهران وجرائم أذرعها المليشياوية المنتشرة في المنطقة، واضعة دائماً يدها في يد البناء والدعوة المستمرة لكف الأذى وحسن الجوار. لكن حكام طهران آثروا الاستمرار في هذه المغامرات الخارجية التي لم تدفع المنطقة ثمنها فحسب، بل أودت بالشعب الإيراني نفسه إلى واقع معيشي واقتصادي بائس ومدمر، مما دفعه للخروج مراراً في مسيرات غاضبة حاشدة ترفض سياسات النظام، لتقابلها السلطات هناك بالحديد والنار.

إن التاريخ يُعيد كتابة دروسه بالدم، ويؤكد للقاصي والداني: أن أمن العرب كلٌّ لا يتجزأ، وأن تداعيات غياب الموقف البغدادي الصلب بالأمس، هي ذاتها النيران التي يكتوي بنيرانها الجسد العربي اليوم.

ملاحظة من هيئة التحرير

يتضمن المقال قراءة سياسية وتاريخية خاصة بكاتبه. وتوضح هيئة التحرير أن الحرب العراقية الإيرانية شهدت بدء الهجوم العراقي الواسع على إيران في سبتمبر 1980، وأن ما ورد بشأن حصيلة الضحايا المنسوبة إلى الهجمات الإيرانية على الرياض يحتاج إلى توثيق مستقل، ولا تتبناه الصحيفة بوصفه حصيلة مؤكدة.

تنويه تحريري | مقال رأي

ينشر موقع نداء الوطن هذا المقال باسم كاتبه عبد حامد، وفي إطار إتاحة المجال لتعدد الآراء ووجهات النظر.

تعبر الآراء والتوصيفات السياسية والتفسيرات التاريخية الواردة في المقال عن وجهة نظر الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة موقف هيئة تحرير نداء الوطن أو سياسته التحريرية.

كما أن ما يرد في المقال من تقديرات أو أرقام أو اتهامات أو استنتاجات بشأن أحداث تاريخية أو راهنة يُنسب إلى صاحبه، ولا يُعد توثيقًا مستقلًا أو إقرارًا بصحته من جانب الموقع.

ويؤكد نداء الوطن التزامه بالدقة المهنية وحق الرد والتصحيح وفق الأصول الصحفية.

المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن