القانون الدولي والديمقراطية الزائفة في زمن الوباء وحقوق الأنسان

بقلم الدكتور عذاب العزيز الهاشمي

 

 لاشك أن الديمقراطية إحدى القيم والمبادئ الأساسية العالمية للأمم المتحدة, ويشكل احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية ومبدأ عقد انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام عنصرين أساسيين من عناصر الديمقراطية, وهذه القيم مجسدة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومشمولة بمزيد من التطوير في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكرس مجموعة كبيرة من الحقوق السياسية والحريات المدنية التي تقوم عليها الديمقراطيات الحقيقية.

والحقوق المكرسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي صكوك حقوق الإنسان اللاحقة التي تغطي حقوق المجموعات (مثل الشعوب الأصلية والأقليات والأشخاص ذوي الإعاقات) متساوية في ضرورتها للديمقراطية بالنظر إلى أنها تكفل التوزيع العادل للثروة والمساواة والإنصاف فيما يتعلق بالحصول على الحقوق المدنية والسياسية.

والوحدة المعنية بسيادة القانون والديمقراطية هي جهة التنسيق المعنية بالأنشطة الخاصة بالديمقراطية في المفوضية السامية لحقوق الإنسان, وتعمل الوحدة على وضع مفاهيم واستراتيجيات تنفيذية لتعزيز الديمقراطية وتقديم الإرشادات والدعم إلى المؤسسات الديمقراطية من خلال أنشطة التعاون التقني والشراكة مع الجهات المعنية في الأمم المتحدة، ولا سيما صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية وإدارة الشؤون السياسية والفريق العامل المعني بالديمقراطية والتابع للأمم المتحدة, وتقدم المشورة القانونية ومشورة الخبراء حسب الاقتضاء إلى العمليات الميدانية للمفوضية السامية بشأن المسائل ذات الصلة مثل احترام حقوق المشاركة في سياق الانتخابات الحرة والنزيهة ومشاريع التشريعات المتعلقة بالاستفتاءات الوطنية والأنشطة التدريبية.

الجهود الدولية والإقليمية لتوطيد الديمقراطية وسيادة القانون

اعتمدت لجنة حقوق الإنسان عدة قرارات تاريخية. وفي عام 2000، أوصت اللجنة بمجموعة كبيرة من التدابير التشريعية والمؤسسية والعملية لتوطيد الديمقراطية (القرار 2000/47). وفي عام 2002، حددت اللجنة العناصر الأساسية للديمقراطية في القرار 2002/46.

اعتمد مجلس حقوق الإنسان (الذي خلف لجنة حقوق الإنسان السابقة)، منذ إنشائه في عام 2006، عدداً من القرارات سلط فيها الضوء على العلاقة المترابطة والمتداعمة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتتضمن الأمثلة الحديثة في هذا الصدد القرار 19/36 بشأن "حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون", وعملاً بهذا القرار، نشرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالتشاورمع الدول والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والهيئات الحكومية الدولية ذات الصلة والمنظمات الدولية المعنية، دراسة عن التحديات والدروس المستفادة وأفضل الممارسات في مجال ضمان الديمقراطية وسيادة القانون من منظور حقوق الإنسان.

يركز البرنامج الحالي في المقام الأول على تمكين الهيئات التشريعية من ممارسة مسؤولياتها التشريعية والرقابية بطريقة تفضي إلى التمتع الفعلي بالحقوق والحريات وحمايتها على نحو فعال.

التعاون مع صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية

المفوضية السامية لحقوق الإنسان، بصفتها عضواً في الفريق الاستشاري المعني بالبرامج التابع لصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، تقدم مشورة الخبراء والدعم إلى كل من المجلس الاستشاري لصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية وأمانة الصندوق بشأن مقترحات المشاريع ومعايير التمويل. وقد شاركت المفوضية السامية لحقوق الإنسان منذ عام 2006، وبالاشتراك مع موظفيها العاملين في جنيف ونيويورك والميدان، في استعراض مقترحات المشاريع الوطنية والإقليمية والعالمية المقدمة من جميع المناطق.

الواقعية القانونية في العلاقة بين الديمقراطية وحقوق الأنسان

للوهلة الأولى تبدو حقوق الإنسان والديمقراطية في علاقة مواجهة وتناقض متوترة لا يمكن حلها, بينما تدافع حقوق الإنسان عن حقوق مجموعات وأقليات، يمكنها استخدام هذه الحقوق بالذات في مواجهة الغالبية، فإن الديمقراطية تُقِر وتَفهَم ضِمنا حُكمَ الأغلبية. هل يمكن إذا باسم الديمقراطية وتحت شعار سيادة الشعب الضغط على بعض الحقوق والحريات الفردية؟ هل يمكن اعتبار بعض المحاكم "غير ديمقراطية"، لأنها تشكك، وتطرح تساؤلات حول قرارات الأغلبية البرلمانية فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحماية الأقليات؟ مثل هذه اللعبة بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، بين الأكثرية والأقلية، تروج لها الأنظمة الاستبدادية وتروج لها أحيانا تحت شعار الديمقراطية الليبرالية، ويفوتها أن حماية حقوق الإنسان ليست عقبة، وإنما تمثل حالة الاستخدام الوظيفي للديمقراطية المستدامة.

حقوق الإنسان تضمن للفرد حماية واحترام مصالحه، حتى في حال عدم انتمائه للأغلبية. وكما أن حقوق الإنسان يمكنها الانطلاق والترسخ في ظل المناخ الديمقراطي، فإنه لا يمكن تصور السلطة الديمقراطية المستدامة بدون احترام وحماية وتحقيق حقوق الإنسان. حقوق الإنسان والديمقراطية ليستا في أي تناقض أو تعارض، وإنما تشكل كل منهما شرطا لقيام ونجاح الآخر ضمن المجتمع السياسي. ومن خلال تأثيرها المشترك تتيح للفرد حياة تقوم على أساس حرية تقرير المصير الذاتي والجماعي. لهذا فإن حماية وتحقيق حقوق الإنسان تشكل حقا أساس المشروع الديمقراطي.

الديمقراطية الزائفة

اﻠﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ، ﺑﻮاﺳﻄﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن، ﺣﻴﺚ ﺗﺸﻜﻞ ﺧﻄﺮا ﻋﻠﻰ وﺟﻮد اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ .ووﻓﻖ هﺬا اﻟﺘﺼﻮر ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺠﺐ اﺗﺨﺎذ وﺳﺎﺋﻞ، ﻣﺜﻞ ﺗﻌﺮﻳﺾ أﺣﺰاب وأﻃﺮ أﺧﺮى ﻏﻴﺮ دﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ ﻟﻠﻄﺮد واﻹﺧﺮاج ﻋﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن ,اﻟﺪول اﻷوروﺑﻴﺔ ﺗﺒﻨﺖ هﺬا اﻟﺘﻮﺟﻪ ﻧﻈﺮا ﻟﺘﺠﺮﺑﺘﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ ﺣﻴﺚ أن اﻟﻨﻈﺎم اﻟﻨﺎزي ﻓﻲ أﻟﻤﺎﻧﻴﺎ ﻗﺎم ﺑﺎﻟﻄﺮق اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ, هﺬا اﻟﺘﻮﺟﻪ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺪﻓﺎﻋﻲ ﻳﺘﺠﻠّﻰ ﻋﺒﺮ ﺳﻦّ ﻗﻮاﻧﻴﻦ ﺗﺤﻈﺮ اﻟﺘﺤﺮﻳﺾ اﻟﻌﻨﺼﺮي، إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﻟﻘﻮاﻧﻴﻦ اﻟﺘﻲ ﺗﻔﺼﻞ اﻟﺸﺮوط اﻟﺘﻲ ﺗﻮﺟﺐ إﻟﻐﺎء ﺣﺰب وإﺧﺮاﺟﻪ ﻋﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن .وﺑﻨﺎء ﻋﻠﻰ هﺬا اﻟﺘﻮﺟﻪ، وﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮن هﻨﺎك ﺧﻄﺮ ﻳﺘﻬﺪد اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ أو اﻟﺴﻠﻄﺔ ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻤﻜﻦ اﻟﻤﺲ ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ، وﺗﻘﻴﻴﺪ ﺣﺮﻳﺔ اﻟﺤﺮآﺔ، وﺣﺮﻳﺔ اﻟﺘﻨﻈﻢ، وﺣﺮﻳﺔ اﻟﺘﻈﺎهﺮ، وﺣﺮﻳﺔ اﻟﺘﻌﺒﻴﺮ وآﺬﻟﻚ إﺧﺮاج ﺣﺮآﺎت ﺣﺰﺑﻴﺔ أو أي إﻃﺎر ﺁﺧﺮ ﻣﻌﺎد ﻟﻠﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ ﻋﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن، وذﻟﻚ ﻟﻀﻤﺎن اﺳﺘﻤﺮارﻳﺔ اﻟﻨﻈﺎم اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ ﻟﻠﺪوﻟﺔ, زﻳﺎدة ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ، ﻗﺪ ﻳﻨﺸﺄ وﺿﻊ ﺗﺘﺤﻮل ﻓﻴﻪ اﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺎت اﻟﻤﻌﺎدﻳﺔ ﻟﻠﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ اﻟﻤﻘﻴﺪة ﻧﺸﺎﻃﺎﺗﻬﺎ أو اﻟﺘﻲ ﺗﺼﺒﺢ ﺧﺎرﺟﺔ ﻋﻦ اﻟﻘﺎﻧﻮن إﻟﻰ ﺣﺮآﺔ ﻣﻘﺎوﻣﺔ ﺳﺮﻳﺔ، وﺗﻠﺠﺄ إﻟﻰ وﺳﺎﺋﻞ ﻋﻨﻴﻔﺔ ﻗﺪ ﺗﻬﺪد اﺳﺘﻘﺮار اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ, رﻓﺾ ﻣﺒﺪأ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ اﻟﻤﺪاﻓﻌﺔ ﻋﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻜﺲ ﻣﻦ اﻟﺘﺼﻮر اﻷوروﺑﻲ اﻟﺬي أﺧﺬ ﻋﺒﺮة ﻣﻦ ﺗﺠﺮﺑﺘﻪ ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ، ﻓﺈن اﻟﺘﺼﻮر اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻳﺤﻈﺮ ﻋﻠﻰ اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ اﻟﻤﺲّ ﺑﺤﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن واﻟﻤﻮاﻃﻦ، ﻋﺪا اﻟﺤﺎﻻت اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺗﻜﺐ ﻓﻴﻬﺎ أﻋﻤﺎل ﺟﻨﺎﺋﻴﺔ .اﻟﺪﺳﺘﻮر اﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﻻ ﻳﻘﻴﺪ اﻟﺘﻨﻈﻴﻢ وﻧﺸﺎط اﻷﺣﺰاب واﻟﻤﻨﻈﻤﺎت اﻟﻤﻌﺎدﻳﺔ ﻟﻠﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ.

الديمقراطية الزائفة في ظل وباء كورنا اين حقوق الانسان ؟

تعاني جميع سمات الديمقراطية حول العالم من آثار جائحة كورونا، حيث تضعف الضوابط على الحكومات بسبب المواجهة مع عدوى الفيروس المستجد، ويغيب المشرعون عن البرلمانات، وتتأجل الانتخابات، ولا تتعامل المحاكم إلا مع القضايا العاجلة، ويمنع التجمع وتقيد الحركة، في حين تتجول المركبات العسكرية في المدن، ويضطر الصحفيون للعمل من المنازل، ويتوقفون عن ملاحقة السياسيين.

ومع تزايد البلدان التي أعلنت حالة الطوارئ العامة، تتزايد المخاوف بشأن مدى انتهاك التدابير إن لم تكن مناسبة ومحدودة الزمن- الحقوق المدنية الأساسية وسيادة القانون، مع بقاء ما يقرب من ثلث سكان العالم في ما يشبه الحجر الصحي أو الحظر والعزلة.

في مقاله بمجلة فورين بوليسي الأميركية، اعتبر فلوريان بيبر أستاذ التاريخ والسياسة في جامعة غراتس النمساوية أن الوباء وفّر للحكومات الديكتاتورية والديمقراطية -على حد سواء- فرصة للتعسف وإساءة استخدام القرار وتقليص الحريات المدنية.

ويرى بيبر - وهو مؤلف كتاب "مناقشة القومية- الانتشار العالمي للأمم"- أن الإجراءات الحالية قد تنجح في التخفيف من انتشار الفيروس وتفشي الجائحة، لكن العالم سيواجه خطرا من نوع آخر؛ إذ ستكون العديد من البلدان أقل ديمقراطية بكثير مما كانت عليه قبل مارس/آذار من العام الجاري، حتى بعدما يتراجع خطر الفيروس.

ويتابع أن الضوابط والتوازنات - غالبا- يتم تجاهلها من قبل السلطات التنفيذية في أوقات الأزمات، لكن الخطورة تكمن في أن تتحول هذه الإجراءات الاستثنائية المؤقتة إلى دائمة.

واستشهد المؤلف والأكاديمي النمساوي بخطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرا، وقوله "نحن في حالة حرب"، معتبرا أن مثل هذا الخطاب الدرامي يسهم في حشد قوي لمواجهة الوباء، لكن قد تكون مثل هذه النداءات خطيرة؛ فالفيروس ليس جيشا عسكريا، ويمكن لاستحضار فكرة الحرب تبرير إجراءات قمعية، وتحويل أزمة صحية لأزمة أمنية.

ويقر بيبر بالحاجة إلى تدابير مثل إغلاق الشركات، وفرض التباعد الاجتماعي، وإبعاد الناس عن الشوارع، بما في ذلك حظر التجول والتجمعات للسيطرة على الانتشار السريع للفيروس التاجي؛ ولكنه يحذر كذلك من خطر كبير يتمثل في احتمال أن تؤدي هذه الإجراءات إلى موجة جديدة من الاستبداد.

  قراءة في الجدل أوروبي

في ما يشبه البيان الصادر نهاية فبراير/شباط الماضي، قال الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين إن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها الحكومات في سياق مكافحة تفشي جائحة كورونا غير عقلانية وغير مبررة، مستندا إلى بيان المجلس القومي الإيطالي للبحوث، الذي اعتبر أن أعراض الجائحة تكون خفيفة أو معتدلة لأغلب الحالات.

وتساءل أغامبين متعجبا: "لماذا تخلق السلطات الحكومية ووسائل الإعلام مناخا من الذعر، يتسبب في حالة استثناء حقيقية تتضمن تقييد الحركة وتعليق الحياة اليومية والعمل في مناطق بأكملها؟" معتبرا أن تلك الحالة تؤدي إلى فرض "عسكرة حقيقية" على تلك المناطق، في صيغة وصفها الفيلسوف الإيطالي "بالغامضة وغير المحددة"، متنبئا بتعميم حالة الاستثناء على كافة المناطق.

واستعرض أغامبين "القيود الحكومية على الحرية"، التي أقرتها السلطات (الإيطالية)، معتبرا أنها غير متناسبة مع التهديد الذي تسببه "عدوى تشبه الإنفلونزا"، ولا تختلف عن الفيروسات المعدية التي تصيبنا كل عام.

وختم الفيلسوف الإيطالي بيانه بالقول إن السلطات استنفدت مبرر الإرهاب لاتخاذ تدابير استثنائية، ولهذا فإن "اختراع وباء يمنحها الذريعة المثالية لتعميم إجراءاتها التي تتجاوز كل الحدود"، مشيرا إلى حالة الخوف والفزع الجماعي، وما اعتبره "قبولا بتقييد الحكومات للحرية تحت دعاوى السلامة".

ويشتهر الفيلسوف الإيطالي والمنظّر القانوني بكتابه "حالة الاستثناء.. الإنسان الحرام"، الذي يعتبر أن السلطات تستخدم الظروف الاستثنائية لتبرير تعطيل القانون، وحيازة السلطة المطلقة، مشيرا إلى تحولها لحالة دائمة حتى في النظم الدستورية الديمقراطية.

وأثار مقال أغامبي جدلا هائلا بين فلاسفة أوروبيين، ورد الفيلسوف السلوفيني الشهير سلافوي جيجيك قائلا إن رد فعل الفيلسوف الإيطالي هو نسخة متشددة من الموقف اليساري الشائع للنظر إلى الذعر والهلع كممارسة سلطوية للضبط والمراقبة والعنصرية.

وجهات نظر علمية

من جانبه، علق الفيلسوف والكاتب الإيطالي سيرجيو بنفينوتو قائلا إن الذعر الذي أصاب بلاده كان في الأساس خيارا سياسيا؛ لأنه في عصر تنتج فيه الديمقراطيات العظيمة "قيادات بشعة"، فإن المنظمات الدولية -مثل منظمة الصحة العالمية- تتخذ قرارات من شأنها تصحيح نزوات الفاشية الجديدة في ديمقراطيات اليوم.

 

ويلاحظ الفيلسوف الإيطالي أنه في جائحة الإنفلونزا الإسبانية 1918، تصرفت السلطة السياسية بطريقة معاكسة تماما؛ فقد أخفت الوباء، لأنه في معظم الحالات كانت الدول المعنية في حالة حرب، وسُميت الإنفلونزا "الإسبانية" ببساطة لأنه في ذلك الوقت، وفقط في إسبانيا -التي لم تكن في حالة حرب- تحدثت وسائل الإعلام عن المرض، الذي يبدو أنه نشأ في الولايات المتحدة.

ولكن القوى السياسية اليوم -التي يؤكد أنها عابرة للحدود والاقتصاد وتتخطى الحدود الوطنية- تتبع إستراتيجية الذعر؛ لتشجيع الناس على عزل الفيروس. وبالفعل، فإن عزل المصابين لا يزال -بعد قرون- أفضل إستراتيجية لقمع الأوبئة المستعصية، إذ تم احتواء الجذام في أوروبا -كما يؤكد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أيضًا- على وجه التحديد عن طريق عزل المصابين قدر الإمكان، وغالبا في جزر بعيدة.

غير أن الفيلسوف الإيطالي أغامبين عاد للرد بعد انتشار رد نظيره السلوفيني جيجيك، وقال إن المشكلة ليست في إبداء الرأي حول خطورة المرض، وإنما التساؤل عن "العواقب الأخلاقية والسياسية للجائحة"، معتبرا أن المجتمع -بعد موجة الذعر التي شلت البلاد- لم يعد يؤمن بشيء سوى الحياة المجردة.

وأضاف أغامبين -في مقال جديد بعنوان "توضيحات"- أن الإيطاليين أبدوا استعدادا للتضحية بكل شيء، بما في ذلك الحياة العادية وعلاقاتهم الاجتماعية والعمل والصداقات والمعتقدات الدينية والسياسية لتلافي خطر الإصابة بعدوى كورونا، وهذا الخطر المشترك لا يوحد الناس (كما أشار جيجيك)، وإنما يعميهم ويعزلهم عن بعضهم البعض؛ إذ ينظر للبشر حاليا على أنهم مصدر عدوى وخطر محتمل لا أكثر، ويجب تجنبهم بأي ثمن.

من جانبه، عقّب الفيلسوف والأكاديمي الإيطالي روكو رونشي بمقال "فضائل الفيروس"، معتبرا أن الإجراءات الطارئة التي تفرضها مقاومة الجائحة تعمل على إضفاء الطابع العالمي على "حالة الاستثناء" التي ورثها الحاضر من "اللاهوت السياسي" في القرن العشرين؛ مما يؤكد فرضية ميشيل فوكو بأن السلطة السيادية الحديثة هي" سياسة بيولوجية" بتعبير فوكو، الذي نظر إليها كممارسات وصلاحيات لشبكة السلطة التي تدير الجسد الإنساني والسكان في مجال مشترك بين السلطة والبيولوجيا، وفي زمن الانتشار الشامل للرأسمالية.

ويقول الفيلسوف الإيطالي إن الفيروس يجعلنا نتذكر حالتنا البشرية، في حال نسينا أننا بشر، محدودون، محتملون، ناقصون… إلخ، مما يجبرنا على التأمل في الوجود والحياة والتوقف عن تجنب الحقائق.