
غزة – نداء الوطن: في قطاع غزة، حيث فقدت آلاف العائلات مصادر دخلها ومنازلها، لم تعد الحرب مجرد مأساة إنسانية، بل تحولت أيضًا إلى اقتصاد استثنائي تتداخل فيه الندرة والحصار ورسوم إدخال البضائع والوساطة والاحتكار، وتظهر فيه فرص لأرباح ضخمة مقابل عجز كثير من السكان عن شراء احتياجاتهم الأساسية.
وبينما ينتظر المواطن وصول الغذاء والدواء والوقود، تكشف تقارير وتحقيقات صحفية وبيانات رسمية عن ممارسات تجارية مخالفة، ورسوم مرتفعة لإدخال البضائع، وشبكات وساطة تستفيد من القيود المفروضة على حركة السلع، في وقت يتحمل فيه المستهلك الفلسطيني التكلفة النهائية.
لكن الصورة أكثر تعقيدًا من اتهام التجار جميعًا باستغلال الحرب؛ فإسرائيل تتحكم بالمعابر وتفرض قيودًا على الإمدادات، كما أن تدمير البنية التحتية وتعطل النقل وارتفاع تكاليف التشغيل عوامل حقيقية وراء الغلاء. وفي المقابل، توجد وقائع موثقة عن تلاعب بالأسعار واحتكار ومخالفات تجارية، ما يفتح ملف المسؤولية والمحاسبة.
من يستفيد من ندرة الغذاء والوقود في غزة؟ وهل أصبحت القدرة على إدخال البضائع والاحتفاظ بالمخزون مصدرًا لنفوذ اقتصادي يتيح لبعض الوسطاء والتجار تحقيق أرباح استثنائية على حساب السكان؟
حين تصبح الندرة تجارة رابحة
في الأسواق الطبيعية، يتنافس التجار على جذب المستهلك عبر الأسعار والجودة وتوافر المنتجات. أما في اقتصاد الحرب، فتتغير المعادلة عندما تتراجع الإمدادات ويصبح الوصول إلى البضائع محصورًا بعدد محدود من الأطراف.
وفي هذه الظروف، يمكن أن تتحول القدرة على إدخال شحنة غذائية أو تأمين كمية من الوقود إلى مصدر ربح يتجاوز هامش التجارة المعتاد، خصوصًا عندما تفتقر السوق إلى المنافسة والرقابة الفعالة.
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في الأسعار يمثل احتكارًا متعمدًا؛ إذ تتأثر الأسعار بتكاليف النقل والتخزين والمخاطر والتلف والرسوم. لكن حجب البضائع عمدًا أو التلاعب بالأسعار أو استغلال السيطرة الحصرية على الإمدادات يمثل ممارسات مختلفة تستوجب التحقيق والمحاسبة.
أرقام رسمية: توقيف تجار وإغلاق محال بسبب المخالفات
لا تستند المخاوف من استغلال الأسواق إلى شكاوى المواطنين وحدها. فقد أعلنت الجهات المختصة في غزة خلال عام 2026 تنفيذ حملات رقابية أسفرت عن توقيف تجار وإغلاق منشآت تجارية بسبب مخالفات تتعلق بالاحتكار ورفع الأسعار.
وفي 11 مارس 2026، أعلنت دائرة مباحث التموين بالشرطة توقيف 41 تاجرًا وإغلاق 24 محلًا ومنشأة، عقب جولات رقابية شملت 335 محلًا ومنشأة تجارية.
كما أعلنت في 28 فبراير توقيف 46 تاجرًا وإغلاق 11 محلًا ضمن حملات مماثلة، وفي 22 فبراير تحدثت عن توقيف 19 تاجرًا وبائعًا بسبب التلاعب بالأسعار، وإتلاف نحو تسعة أطنان من المواد الغذائية الفاسدة ومنتهية الصلاحية.
وتؤكد هذه الوقائع وجود مخالفات تستدعي الرقابة، لكنها لا تثبت بمفردها حجم الأرباح التي حققها المخالفون، ولا تعني صدور أحكام قضائية نهائية بحق جميع الموقوفين.
المصدر الرسمي: بيان مباحث التموين بشأن توقيف 41 تاجرًا وإغلاق 24 محلًا.
سوق التنسيقات.. من يتحكم في بوابة دخول البضائع؟
تُعد رسوم إدخال البضائع وما يُعرف بالتنسيقات التجارية من أكثر الملفات إثارة للجدل في اقتصاد غزة خلال الحرب.
فقد حذرت وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية، في بيان رسمي صدر في ديسمبر 2025، من استغلال بعض الأفراد والتجار لمعاناة السكان وفرض مبالغ مالية باهظة لإدخال البضائع تحت مسمى التنسيقات، مؤكدة أن هذه الممارسات تزيد الأعباء على المواطنين.
وفي تحقيق نشره «العربي الجديد» في 5 أكتوبر 2026، جرى تناول ما وصفه التحقيق بسوق التنسيقات السوداء والرسوم غير القانونية المرتبطة بإدخال الشاحنات، مع الإشارة إلى أثر حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار على المنافسة والأسعار.
وتشير هذه المعطيات إلى أن جانبًا من الارتفاع في الأسعار قد ينشأ قبل وصول البضائع إلى رفوف المحال، نتيجة الرسوم والوساطة والتحكم في سلاسل التوريد، وليس بالضرورة بسبب البائع الأخير وحده.
المصدر الرسمي: بيان وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية بشأن التنسيقات التجارية.
اتهامات متبادلة بشأن رسوم الشاحنات وتعطل الإمدادات
في منتصف أكتوبر 2026، برز خلاف جديد بشأن الرسوم المفروضة على الشاحنات التجارية، بالتزامن مع توقف دخول بعض الإمدادات إلى القطاع.
ونقلت وكالتا رويترز وأسوشيتد برس روايات متعارضة بشأن أسباب التوقف؛ إذ قالت السلطات الإسرائيلية إن التجار علقوا التنسيق احتجاجًا على مطالب مالية من الجهات التي تدير السوق في غزة، بينما اتهم ممثلون عن التجار إسرائيل باستخدام الخلاف ذريعة لتعطيل دخول البضائع.
وتحدثت التقارير عن مبلغ قدره عشرة آلاف شيكل للشاحنة، في حين وصفت وزارة الاقتصاد في غزة هذا المبلغ بأنه مساهمة مخصصة لدعم الفئات المحتاجة، لا ضريبة تجارية بالمعنى المعتاد.
ولا يمكن حسم حقيقة جميع المطالب المالية أو أوجه إنفاقها من خلال الروايات المتعارضة وحدها، لكن استمرار النزاع حولها يكشف هشاشة سلاسل الإمداد ومدى تعرض السكان لتداعيات القرارات المتعلقة بإدخال السلع.
التهريب والوسطاء.. أرباح تتجاوز حدود غزة
لا تقتصر شبهات الاستفادة من اقتصاد الحرب على تجار داخل القطاع. فقد تناول تحقيق لوكالة أسوشيتد برس، نُشر في أغسطس 2026، شبكات تهريب ووسطاء وأطرافًا على جانبي الحدود، مع اتهامات لبعض المتورطين بتحقيق مكاسب مالية كبيرة من إدخال سلع مقيدة أو محظورة.
واعتمد التحقيق على مقابلات ووثائق قضائية، وتناول خصوصًا تجارة السجائر وغيرها من السلع التي ارتفعت أسعارها بشدة بسبب القيود على دخولها.
وهذا يعني أن الأرباح الاستثنائية، حيث تثبت، قد تتوزع بين حلقات متعددة من سلسلة التوريد، ولا يجوز افتراض أن تاجر التجزئة في غزة هو المستفيد الأكبر منها.
أزمة الغذاء تجعل الاستغلال أشد خطورة
تتضاعف خطورة هذه الممارسات مع استمرار اعتماد أعداد كبيرة من سكان غزة على المساعدات الغذائية، في ظل تراجع القدرة الشرائية وفقدان الوظائف ومصادر الدخل.
وفي أكتوبر 2026، أعلن برنامج الأغذية العالمي خفض نطاق مساعداته في غزة من نحو 1.6 مليون شخص إلى 1.1 مليون بسبب نقص التمويل، في وقت حذرت فيه وكالات الأمم المتحدة من استمرار هشاشة الأمن الغذائي وخطر سوء التغذية.
وكلما تراجعت المساعدات وتعطلت الإمدادات التجارية، أصبحت الأسر الأكثر فقرًا عرضة للاضطرار إلى شراء احتياجاتها بأسعار مرتفعة، أو تقليل الوجبات، أو الاستدانة لتأمين الغذاء.
وفي مثل هذه الظروف، لا يعود التلاعب بأسعار السلع الأساسية مجرد مخالفة تجارية، بل ممارسة ذات آثار مباشرة على قدرة الناس على البقاء.
هل نشأت طبقة من أثرياء الحرب؟
تثير التقارير المتعلقة بالرسوم المرتفعة والاحتكار والتهريب سؤالًا مشروعًا عن احتمال نشوء ثروات جديدة خلال الحرب، نتيجة السيطرة على مسارات إدخال السلع أو الاستفادة من ندرتها.
غير أن إثبات الثراء السريع يتطلب معلومات مالية قابلة للتحقق، مثل سجلات الاستيراد والفواتير وهوامش الربح وحركة الأصول والتحويلات، وليس مجرد ملاحظة ارتفاع الأسعار أو انتشار الشائعات عن تجار بعينهم.
ولا تتوافر في المصادر التي استند إليها هذا التقرير بيانات مالية شاملة تسمح بتحديد عدد من أصبحوا أثرياء بسبب الحرب أو قيمة الثروات التي راكموها.
لذلك، فإن الحديث عن «أثرياء الحرب» يظل توصيفًا لظاهرة اقتصادية محتملة ومدعومة بمؤشرات عن أرباح غير اعتيادية في بعض حلقات السوق، وليس حكمًا على فئة التجار بأكملها.
من المسؤول عن حماية المستهلك؟
تقع المسؤولية الأولى عن إزالة القيود التي تخنق الاقتصاد وتمنع التدفق الطبيعي للسلع على الجهات المتحكمة بالمعابر والإمدادات، وفي مقدمتها السلطات الإسرائيلية.
لكن ذلك لا يعفي الجهات التي تدير الشأن الاقتصادي داخل غزة من واجب الشفافية بشأن الرسوم والتصاريح وآليات اختيار المستوردين، وملاحقة الاحتكار والغش والتلاعب بالأسعار، وضمان عدم استغلال المساعدات الإنسانية لتحقيق أرباح خاصة.
كما تقع على المؤسسات التجارية مسؤولية رفض الممارسات الاحتكارية والإبلاغ عن الابتزاز المالي، فيما يتعين على الجهات الرقابية نشر نتائج الحملات وأعداد المخالفات والإجراءات القضائية بصورة واضحة.
- من يحدد الجهات المسموح لها بإدخال البضائع إلى غزة؟
- ما الرسوم الرسمية وغير الرسمية المفروضة على الشاحنات؟
- كيف تنعكس تلك الرسوم على السعر النهائي للمستهلك؟
- كم قضية احتكار وتلاعب بالأسعار انتهت بأحكام قضائية؟
- هل توجد آليات مستقلة لمراجعة أرباح الوسطاء ومنع استغلال المساعدات؟
حين يدفع المواطن ثمن الحرب مرتين
تكشف أزمة الأسواق في غزة عن مفارقة قاسية: المواطن الذي فقد منزله وعمله ومدخراته قد يجد نفسه مضطرًا إلى دفع أسعار استثنائية للحصول على الغذاء والدواء والوقود، بينما تستفيد بعض حلقات التجارة والوساطة من اختلال التوازن بين العرض والطلب.
وليس الحل في شيطنة التجار جميعًا؛ فكثير منهم تضرروا بدورهم من الحرب وفقدوا محالهم ومخازنهم ورؤوس أموالهم. بل يكمن الحل في فتح مسارات الإمداد، وإعادة المنافسة، ونشر بيانات الرسوم والتكاليف، وتفعيل الرقابة والمساءلة.
حين يتحول الجوع إلى فرصة للربح، تصبح الشفافية والمحاسبة ضرورة إنسانية قبل أن تكونا مطلبًا اقتصاديًا. فليس مقبولًا أن يخسر سكان غزة كل شيء، ثم يدفعوا من بقايا مدخراتهم ثمن احتكار ما تبقى من مقومات الحياة.
إن كشف شبكات الاستغلال، أينما وجدت، لا يقل أهمية عن المطالبة بإنهاء القيود على دخول البضائع؛ لأن حماية سكان غزة تتطلب مواجهة الأسباب التي صنعت الندرة، ومحاسبة من يتعمد تحويلها إلى وسيلة للإثراء.
منهجية التقرير: تقرير تحليلي يستند إلى بيانات رسمية وتحقيقات صحفية منشورة خلال عام 2026. ولا يتضمن اتهامات جنائية بحق أشخاص محددين أو تقديرات غير موثقة لثرواتهم. ويجري التمييز فيه بين مخالفات أعلنتها الجهات الرقابية وادعاءات ما زالت محل خلاف أو تحتاج إلى تحقيق مستقل.