طلال أبوغزاله يكتب: الملك رسم مسارًا واضحًا وخاطب العالم بلغة يفهمها

طلال أبوغزاله يكتب: الملك رسم مسارًا واضحًا وخاطب العالم بلغة يفهمها

في خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، لم يكن الحديث عن فلسطين تكرارًا لمواقف يعرفها العالم، كما لم تكن التحذيرات المتعلقة بأمن الأردن تفصيلًا عابرًا على هامش الخطاب.

كان هناك، في تقديري، خيط واضح يصل أجزاء الخطاب بعضها ببعض: لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي بينما تستمر سياسات التدمير والضم والتهجير وفرض الوقائع بالقوة.

جوهر الخطاب كما قرأته:
السلام لا يمكن أن يكون مجرد شعار دبلوماسي، بل مسارًا يرتبط بالقانون الدولي والحقوق والأمن، وبقدرة الشعوب على العيش على أرضها دون تهجير أو فرض وقائع جديدة بالقوة.

لغة تعيد الأشياء إلى أسمائها

بدا الخطاب الملكي أقرب إلى تفكيك سياسي وقانوني للغة التي تُستخدم أحيانًا لتوصيف ما يجري في المنطقة.

فالملك خاطب العالم بلغة واضحة تستند إلى مفاهيم يفهمها المجتمع الدولي: قانون دولي، وحقوق، وشعب فلسطيني يريد أن يعيش على أرضه، وسياسات على الأرض يرى الأردن أنها تدفع في الاتجاه المعاكس.

ولم يضع الخطاب السلام في مواجهة القوة بقدر ما وضع مفهوم السلام الحقيقي في مواجهة السياسات التي تجعل الوصول إليه أكثر صعوبة.

فلسطين في صميم الرسالة

احتلت القضية الفلسطينية مساحة مركزية في خطاب الملك، من غزة إلى الضفة الغربية، مع تركيز واضح على خطورة تحويل الإجراءات التي توصف بأنها مؤقتة إلى واقع دائم على الأرض.

وفي الضفة الغربية، توقف الخطاب عند الاستيطان والاستيلاء على الأراضي والعنف والتهجير، ورفض اللغة المخففة التي يمكن أن تحجب حقيقة ما يجري على الأرض.

وهنا، في رأيي، كانت إحدى أهم رسائل الخطاب: المصطلحات ليست مجرد تفاصيل لغوية عندما يكون استخدامها قادرًا على تغيير الطريقة التي ينظر بها العالم إلى الواقع.

فالملك قدّم ما يجري في الضفة الغربية باعتباره مسارًا أوسع من مجموعة أحداث منفصلة، وربطه بإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

غزة ليست ملفًا منفصلًا عن مستقبل المنطقة

أما في غزة، فقد وضع الخطاب المأساة الإنسانية ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة بأكملها.

ومن وجهة نظري، فإن أهم ما في هذه المقاربة هو رفض التعامل مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما قصتين منفصلتين؛ فالواقع السياسي والجغرافي للفلسطينيين واحد، ومستقبل أي تسوية سياسية لا يمكن بناؤه عبر معالجة كل منطقة بمعزل عن الأخرى.

المعادلة التي ظهرت في الخطاب:
إما مسار سياسي يقود إلى سلام عادل ودولة فلسطينية قابلة للحياة، أو استمرار سياسات يرى الأردن أنها تقود إلى الضم والتهجير وتغيير الواقع على الأرض.

الأمن الأردني.. حدود واضحة

وفي المقابل، لم يضع الملك الأردن خارج هذه المعادلة.

كان واضحًا في تحديد حدود ما يتعلق بالأمن الوطني الأردني، عندما أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي يُعد تهديدًا للأمن القومي للمملكة، وأن الأردن سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وهذا، برأيي، تحديد مباشر لملفات لا ينظر إليها الأردن باعتبارها جزءًا قابلًا للمساومة ضمن لعبة النفوذ الإقليمية.

جنوب سوريا ومصادر المياه

جاء التحذير الأردني في سياق حديث الملك عن التطورات في جنوب سوريا، حيث أشار إلى التوغلات الإسرائيلية والتوسع الجغرافي وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يتعلق بموارد مائية حيوية.

وكانت الرسالة واضحة: ما يحدث شمال الحدود الأردنية لا يُنظر إليه في عمّان باعتباره شأنًا بعيدًا، عندما تكون له انعكاسات محتملة على الحدود والمياه والأمن الوطني.

وقد قال الملك بوضوح إن الأردن لن يشيح بنظره وسيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

الدبلوماسية لا تعني غياب الحدود

وربما كانت من أكثر النقاط دلالة في الخطاب تلك المتعلقة بالدبلوماسية.

فالأردن، كما عرض الملك، يريد أن يبقى دولة منفتحة على الحوار، ومستعدة للعمل مع كل من يسعى إلى السلام، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن الميل إلى الدبلوماسية لا يتقدم على الالتزام بالقيم الإنسانية ولا ينبغي تفسيره باعتباره ضعفًا.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها.

الدبلوماسية الأردنية لم تظهر في الخطاب باعتبارها بديلًا عن الموقف، بل باعتبارها وسيلة لحماية المصالح والعمل لتحقيق السلام ضمن حدود وثوابت واضحة.

هناك فرق بين دولة تختار الحوار لأنها لا ترى أمامها خيارًا آخر، ودولة تضع الحوار في قلب سياستها وهي تحدد في الوقت نفسه ما تعتبره مصالح وطنية وثوابت لا يمكن تجاهلها.

القدس والأونروا والوصاية الهاشمية

ومن هنا يمكن أيضًا فهم تأكيد الملك استمرار الأردن في دعم صمود الفلسطينيين، ودعم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، والتمسك بالوصاية الهاشمية والوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.

هذه الملفات ظهرت في الخطاب باعتبارها جزءًا من الثوابت التي تقول المملكة إنها مستمرة في حمل مسؤوليتها تجاهها، وليست ملفات مرتبطة بتغير ظرف سياسي مؤقت.

السلام بالنسبة إلى الأردن ليس تجاوزًا للحقوق الفلسطينية

لهذا رأيت الخطاب متكاملًا في فكرته.

الأردن يريد السلام، ويتمسك بالدبلوماسية، ويؤكد استعداده للحوار، وفي الوقت نفسه يحدد مصالحه وثوابته وأمنه الوطني.

وفي القضية الفلسطينية تحديدًا، جاءت رسالة الخطاب بأن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم بتجاوز حقوق الفلسطينيين أو بتحويل قضيتهم إلى ملف مؤجل كلما تغيرت أولويات المجتمع الدولي.

حين تصبح اللغة جزءًا من القضية

من اللافت أيضًا أن الملك توقف عند الطريقة التي يجري بها توصيف الأحداث.

فاللغة المصقولة دبلوماسيًا قد تخفي أحيانًا وراءها واقعًا أكثر قسوة، ولذلك شدد الخطاب على ضرورة عدم استخدام مصطلحات تقلل من طبيعة التغيرات الجارية على الأرض.

وهذه ليست قضية لغوية فحسب؛ لأن تسمية ما يحدث تحدد، بدرجة كبيرة، كيفية تعامل المؤسسات والحكومات والرأي العام معه.

بين طريقين لمستقبل المنطقة

في المحصلة، كان خطاب الملك عبد الله الثاني، كما قرأته، محاولة لوضع المجتمع الدولي أمام خيارين واضحين.

هناك طريق يعتمد القانون الدولي، ويقود إلى تسوية سياسية ودولة فلسطينية وسلام عادل، وهناك طريق آخر تؤدي فيه سياسات الضم والتهجير والتدمير وفرض الوقائع إلى مزيد من عدم الاستقرار.

وبين الطريقين، لا تبدو المسألة مجرد خلاف حول المصطلحات أو الأساليب الدبلوماسية، بل اختيارًا بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة.

وهنا تكمن، في تقديري، أهمية الخطاب: أن الملك لم يكتف بعرض موقف الأردن من الأحداث، بل رسم حدود الموقف الأردني، وربط فلسطين بالأمن الإقليمي، وربط الدبلوماسية بالمبادئ، ووضع أمن الأردن ومياهه وحدوده ضمن معادلة واضحة لا تحتمل الالتباس.


بقلم: طلال أبوغزاله
2026

تنويه تحريري: المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لنداء الوطن.