
بقلم: بكر أبوبكر
لا تكمن قيمة الثقافة في عدد الكتب التي قرأناها، ولا في حجم المعلومات التي راكمناها، وإنما في قدرتنا على فرز المعرفة والتفكر فيها وتحويلها إلى وعي وقيم وسلوك. ومن هنا يأتي المعنى الذي أحمله في عنوان هذا المقال: «لا قيمة للورق بلا أرق».
إن مساحة البحث في مفهوم الوعي واسعة جدًا، وتختلف تعريفاته بحسب المجال الذي ننظر منه إليه، سواء في علوم الأعصاب وعلم النفس أو في الفلسفة والفكر الإنساني.
فعالم الأعصاب كريستوف كوش ينظر إلى الوعي بوصفه مجموع ما يشعر به الإنسان ويختبره من صور ذاتية وأصوات وأفكار ومشاعر خلال لحظات اليقظة، أي الخلاصة الذاتية التي تنتجها شبكات الدماغ.
أما عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو فيتناول الوعي من زاوية عصبية وفسيولوجية، ويراه مسارًا يبدأ بما يسمى «الوعي الأساسي»، أي الشعور بالجسد واللحظة الحاضرة، ثم يتطور إلى «الوعي الممتد» الذي يحتضن الماضي والمستقبل والهوية الشخصية.
الوعي والحرية
وفي الفكر العربي، ربط عدد من المفكرين الوعي بالحرية وإدراك الواقع والمسؤولية الإنسانية.
فالفيلسوف عبدالله العروي يجعل الوعي بالحرية جزءًا أساسيًا من معناها، إذ لا تتحقق حرية حقيقية ولا تقدم اجتماعي من دون وعي المجتمع بمعنى الحرية وتاريخها وشروط تحققها.
ويرى الدكتور عصمت سيف الدولة أن الوعي يرتبط بإدراك الإنسان لواقعه المادي وسعيه إلى تغييره.
أما عباس محمود العقاد فيتحدث في كتابه «الله» عن نوع من «الوعي الكوني»، حين يشير إلى أن للإنسان وعيًا باطنيًا يتجاوز الإدراك الحسي المباشر، داعيًا إلى إفساح المجال للبداهة والوعي الداخلي.
ويربط العقاد في كتابه «أنا» بين الوعي بالذات والاستقلالية الفكرية وبين حرية الإنسان وسموه.
ومن مجموع هذه الرؤى يمكن النظر إلى الوعي باعتباره حالة من الإدراك واليقظة تمكّن الإنسان من فهم نفسه، واستيعاب المعرفة، وقراءة البيئة التي يعيش فيها، ثم اتخاذ موقف واعٍ منها.
الوعي في مواجهة الجهالة
إذا كان الوعي يعني الإدراك والفهم والقدرة على التمييز، فإن الجهالة أو الجهل تقف في الجهة المقابلة.
فالجهل ليس دائمًا غياب المعلومات فقط، بل قد يتمثل أيضًا في تبني الوهم أو الأسطورة أو الخرافة باعتبارها حقيقة، أو في امتلاك المعلومات من دون القدرة على نقدها أو اختبارها.
ولهذا يمكن للإنسان أن يعرف الكثير، لكنه لا يكون بالضرورة واعيًا.
هل امتلاك المعلومات يصنع مثقفًا؟
إذا نظرنا إلى الثقافة – ضمن أحد تعريفاتها الممكنة – باعتبارها مخزونًا من المعلومات والعادات والفنون والعلوم والخبرات المتراكمة، فإن مجرد امتلاك هذا المخزون لا يجعل الإنسان مثقفًا حقيقيًا.
فحفظ الكتب والمقولات والتواريخ لا يكفي.
ولا تصبح المعرفة ثقافة حية إلا عندما ترتبط بالسلوك اليومي وبالقيم والمبادئ وطريقة التعامل مع الإنسان والواقع.
ومن هنا نستطيع النظر إلى العلاقة بين الثقافة والوعي بهذه الصورة:
| العنصر | الدور |
|---|---|
| الثقافة والمعرفة | تمثل المدخلات والمعلومات والخبرات التي يكتسبها الإنسان. |
| الوعي | يمثل طريقة فهم تلك المدخلات وفرزها ونقدها ومعالجتها. |
| السلوك | هو الاختبار العملي لما تحوّل إليه الفكر والمعرفة والقيم. |
«لا قيمة للورق بلا أرق»
ومن هنا جاء العنوان الكبير:
«لا قيمة للورق بلا أرق».
أي أن الثقافة لا تعني تكديس كتل من المعلومات والمعارف.
فقيمة ما تقرأه تظهر بمقدار قدرتك على الفرز والتنخيل والتساؤل والتفكر والمراجعة والمعالجة والتطبيق.
الكتاب الذي لا يثير فيك سؤالًا، والمعلومة التي لا تخضعها للعقل، والمعرفة التي لا تغير شيئًا في طريقة رؤيتك وسلوكك، قد تبقى مجرد ورق.
نظامان في الدماغ
وبالاتجاه إلى علم النفس المعرفي، شاع الحديث عن نمطين أو نظامين لمعالجة المعلومات واتخاذ القرارات.
النظام الأول هو النظام السريع والحدسي والتلقائي.
أما النظام الثاني فهو الأبطأ، ويحتاج إلى الانتباه والتركيز والجهد العقلي.
| النظام الأول | النظام الثاني | |
|---|---|---|
| السرعة | سريع | أبطأ |
| طبيعة العمل | حدسي وتلقائي | تحليلي ومتأنٍ |
| الجهد | منخفض نسبيًا | يحتاج إلى تركيز وجهد |
| نقطة الضعف | أكثر عرضة للتحيز والخطأ | أبطأ وأكثر استهلاكًا للطاقة الذهنية |
فاتخاذ قرار بعد تأمل وتحليل واعٍ يحتاج جهدًا أكبر، لكنه يساعد عادة على الوصول إلى حكم أكثر عقلانية.
أما القرارات الحدسية والسريعة فهي أقل استهلاكًا للجهد، لكنها قد تكون أكثر عرضة للانحياز أو الخطأ.
ولا يعني ذلك أن النظام السريع سيئ في ذاته؛ فهو ضروري في كثير من تفاصيل الحياة اليومية، وإنما التحدي هو أن نعرف متى يجب أن نتوقف ونشغّل التفكير المتأني.
كيف يتشكل الوعي؟
يمكننا النظر إلى بناء الوعي من خلال ثلاثة مستويات متداخلة:
1. المبنى الحيوي العصبي
يتعلق بتطور الدماغ وشبكاته العصبية، وبخاصة القشرة المخية، وقدرتها على استقبال المعلومات الآتية من الحواس ومعالجتها وربطها.
2. المبنى المعرفي الذاتي
ويتكون عبر الاستماع الفعال، والقراءة العميقة والمتواصلة، والسؤال، والاستفسار، واستنباط الأفكار، ومراجعة المواقف الشخصية، والتفكير في طريقة تفكيرنا ذاتها.
3. المبنى المجتمعي والبيئي
يتشكل من خلال التفاعل مع التجارب اليومية، ومواجهة المشكلات، والاحتكاك بالبشر، والانفتاح على ثقافات وأفكار متنوعة.
السؤال الحائر جزء من الوعي
في الجانب المعرفي الذاتي، لا يبنى الوعي بمجرد استقبال المعلومات.
إنه يحتاج إلى السؤال الحائر، وإلى الاستفسار الذي لا يكتفي بأول إجابة، وإلى إعادة النظر حتى في الأفكار التي نحبها ونؤمن بها.
فالإنسان الذي ينقد أفكار الآخرين ولا يستطيع مراجعة أفكاره هو صاحب معرفة ناقصة، لأن أعلى درجات التفكير هي أن يستطيع المرء أن يجعل طريقة تفكيره نفسها موضوعًا للفحص.
وهذا قريب من معنى التفكر والتدبر والتأمل الذي حث عليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة.
البيئة تصنع جزءًا من وعينا
لا يتشكل الإنسان في فراغ.
فالبيت والمدرسة والجامعة والشارع والعمل ووسائل الإعلام والمجتمع والتجارب اليومية كلها تشارك في صياغة وعيه.
والاحتكاك بأفكار وثقافات متنوعة قد يعيد ترتيب كثير من المسلمات التي نشأ عليها الإنسان.
فكل تجربة جديدة تستطيع أن تضيف زاوية رؤية، وكل مشكلة تواجهنا تختبر ما إذا كانت معارفنا مجرد معلومات أم أدوات تساعدنا على فهم الحياة.
الوعي والثقافة والسلوك والقيم
للوعي علاقة وثيقة بالثقافة والسلوك والقيم.
فالوعي هو الذي يفتح أمام الإنسان مساحة الاختيار والمسؤولية الأخلاقية.
ومن دونه قد يتحول الإنسان إلى مجرد مستقبل للمؤثرات، يستجيب لما حوله بصورة تلقائية من دون فحص أو مراجعة.
المعرفة تقول لك ماذا يوجد، أما الوعي فيدفعك إلى السؤال: ماذا يعني ذلك؟ وما موقفي منه؟ وكيف يجب أن أتصرف بناءً عليه؟
الوعي هو المنخل الذي يسبق الفعل
في العلاقة بين الوعي والسلوك يمكنني القول إن الوعي يعمل مثل المنخل أو الفلتر الذي يسبق الفعل.
فالإنسان الواعي لا يستجيب للموقف مباشرة، وإنما يحلل الإيجابيات والسلبيات، وينظر إلى النتائج المتوقعة، ثم يختار.
وبذلك يصبح السلوك أكثر عقلانية وهدفًا، وأقل اندفاعًا.
وهذا ما يمكن أن نسميه السلوك الواعي.
حين تتحول القوانين إلى قيم داخل الإنسان
يظهر أثر الوعي بصورة أوضح في ارتباطه بقيم مثل الحرية والمساواة والعدالة.
فالقانون يستطيع أن يمنع الإنسان من الكذب خوفًا من العقوبة، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعل الصدق قيمة داخلية.
والقانون يستطيع أن يفرض بعض أشكال المساواة، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يجعل الإنسان يؤمن بكرامة الآخر.
وهنا يأتي دور الوعي.
فالوعي يحول «القوانين الجافة» إلى قناعات وقيم ومبادئ مستقرة داخل الإنسان.
والإنسان الذي يدرك العلاقة بين الفكر والقيم والسلوك لا يلتزم الصدق أو المعرفة أو السمو خوفًا من العقاب فقط، بل لأنه يفهم قيمتها في ذاته وفي المجتمع.
المثقف الحقيقي لا يحمل المعرفة فقط
لهذا لا أرى المثقف شخصًا يعرف أسماء المؤلفين والكتب ويحفظ المقولات.
المثقف الحقيقي هو الذي تمر المعرفة عبر عقله وضميره ثم تظهر في طريقة رؤيته للناس وفي سلوكه وموقفه من الحقيقة والحرية والعدل.
أما حين تنفصل الثقافة عن الوعي والقيم والسلوك، فإن الكتب قد تتحول إلى زينة، والشهادات إلى أوراق، والمعرفة إلى استعراض.
لهذا أعود إلى عنوان المقال: لا قيمة للورق بلا أرق؛ فلا قيمة لمعرفة لا تقلق العقل، ولا لسؤال لا يدفعنا إلى البحث، ولا لثقافة لا تعيد تشكيل وعينا وسلوكنا.
(يتبع)
أسئلة شائعة حول الوعي والثقافة
ما المقصود بالوعي؟
يمكن النظر إليه بوصفه حالة من الإدراك واليقظة تمكّن الإنسان من فهم نفسه والبيئة والمعرفة المحيطة به، ومن التفكير في سلوكه وقراراته.
هل كثرة القراءة تجعل الإنسان مثقفًا بالضرورة؟
لا. فالقراءة توفر المعرفة، لكن الثقافة الحقيقية تحتاج أيضًا إلى الفهم والنقد والفرز وتحويل المعرفة إلى قيم وسلوك.
ما العلاقة بين الثقافة والوعي؟
يمكن اعتبار الثقافة والمعرفة مدخلات، بينما يمثل الوعي طريقة معالجة هذه المدخلات وفهمها ونقدها وتطبيقها.
ما المقصود بالنظام الأول والنظام الثاني في التفكير؟
النظام الأول يشير إلى التفكير السريع والحدسي والتلقائي، بينما يشير النظام الثاني إلى التفكير الأبطأ والأكثر تركيزًا وتحليلًا.
كيف يتشكل الوعي؟
يتشكل من تفاعل عوامل عصبية ومعرفية واجتماعية، ومن خلال القراءة والسؤال والتجارب والاحتكاك بالآخرين ومراجعة الإنسان لأفكاره.
ما علاقة الوعي بالسلوك؟
الوعي يسبق الفعل ويساعد الإنسان على التفكير في النتائج والقيم قبل اتخاذ القرار، ما يجعل السلوك أكثر عقلانية وأقل اندفاعًا.
ماذا يعني عنوان «لا قيمة للورق بلا أرق»؟
يعني أن قيمة الكتب والمعرفة لا تتحقق بتكديس المعلومات، وإنما عندما تثير التفكير والسؤال وتتحول إلى وعي وسلوك وقيم.
بكر أبوبكر