
بقلم: هانم داود
ماذا تفعل عندما تجد نفسك أمام شخص يلهو بالنار، ويحوّل سلامتك الجسدية إلى مادة للضحك، ثم يطالبك بالتسامح معه بحجة أنه لم يكن يقصد إيذاءك؟
في عالم السكن الجامعي، حيث يجتمع شباب من بيئات مختلفة تحت سقف واحد بحثاً عن العلم والاستقرار وبناء المستقبل، قد تظهر سلوكيات تتجاوز حدود المزاح المقبول، وتكشف عن مشكلة حقيقية تتعلق باحترام الآخرين وسلامتهم.
تخيّل شاباً في مقتبل حياته الجامعية، يفترض أنه يعيش في بيئة آمنة تساعده على الدراسة والتركيز، فإذا بزميل له يُشعل ولاعته ويقرّبها من جسده تحت ستار «الهزار الثقيل»، حتى يصل الأمر إلى احتراق شعر يده بالفعل.
وحين يثور الشاب غضباً لما حدث، يأتيه الرد بكل برود: «أنا لم أقصد شيئاً، إنه مجرد مزاح!».
لكن هل يمكن اعتبار تعريض إنسان للنار مزاحاً؟ وأين ينتهي الضحك وتبدأ المسؤولية عن إيذاء الآخرين؟
الفكرة الأساسية
المزاح الذي يتضمن تهديداً أو تخويفاً أو ملامسة جسد شخص بأداة خطرة لا يمكن تبريره بالضحك أو حسن النية المزعوم. فالحد الفاصل بين المزاح والاعتداء هو احترام سلامة الآخرين وحدودهم الشخصية.
أولاً: عندما يصبح المزاح اعتداءً مقنّعاً
إن ما حدث في هذا المشهد ليس مجرد تصرف طائش يمكن تجاوزه بسهولة، وإنما سلوك ينطوي على تعريض إنسان لخطر حقيقي، حتى لو كانت الإصابة الظاهرة محدودة.
فالعبث بالنار قرب جسد الآخرين قد يتسبب في حروق خطيرة أو اشتعال الملابس أو إصابات يصعب السيطرة عليها. ولا تصبح هذه المخاطر أقل خطورة لأن صاحب التصرف يدّعي أنه كان يمزح.
وهنا يظهر أحد أشكال ما يمكن وصفه بالتنمر المقنّع، حين يُستخدم الضحك لتبرير تجاوز الحدود الشخصية، ويُطلب من المتضرر أن يتحمل الإهانة أو الخوف حتى لا يُتهم بالمبالغة أو الحساسية الزائدة.
اختبار الحدود الشخصية
قد يتحول التساهل المتكرر مع السلوك المؤذي إلى فرصة لاستمراره، خصوصاً عندما لا يدرك صاحبه أن تصرفاته غير مقبولة. ولهذا يصبح وضع حدود واضحة منذ البداية أمراً ضرورياً لحماية النفس ومنع تكرار التجاوزات.
فخ تجنب المشكلات
كثير من الشباب يفضلون التغاضي عن التصرفات المزعجة حفاظاً على هدوء السكن والعلاقات مع الزملاء. وهذا أمر مفهوم في بداية الحياة الجامعية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قبول بالإيذاء أو التهديد.
فالهدوء ليس ضعفاً، والتسامح ليس تنازلاً عن الحق في الأمان، كما أن الاعتراض على الاعتداء لا يعني البحث عن المشكلات.
النار مؤشر خطر لا مجال للاستهانة به
استخدام النار في تخويف زميل أو ملامسة جسده أمر يستوجب التعامل الجاد، بصرف النظر عن الدافع الذي يذكره الشخص المسؤول عن التصرف. فالعبرة هنا ليست بالكلمات التي تقال بعد الواقعة، وإنما بالخطر الذي وقع بالفعل.
ثانياً: ما الذي يدفع بعض الشباب إلى الترهيب باسم المزاح؟
قد تكون وراء هذه التصرفات أسباب مختلفة، منها ضعف تقدير المخاطر أو الرغبة في لفت الانتباه أو السعي إلى فرض النفوذ داخل المجموعة أو الاستهانة بمشاعر الآخرين.
ومع ذلك، لا يجوز الجزم بأن كل شخص يتصرف بعدوانية يعاني اضطراباً نفسياً معيناً أو يحمل دوافع خفية محددة. فالتقييم النفسي يحتاج إلى مختص، بينما يمكن الحكم بوضوح على السلوك نفسه ومدى خطورته.
الرغبة في السيطرة وإثبات القوة
قد يستخدم بعض الأشخاص التخويف أو الإحراج لإظهار السيطرة على زملائهم، خصوصاً في البيئات التي يغيب فيها التدخل المبكر لضبط السلوكيات المؤذية.
الاستهانة بمشاعر الآخرين
حين يضحك شخص على خوف زميله أو ألمه، فقد يكون ذلك مؤشراً إلى ضعف إدراكه لآثار تصرفاته، أو إلى تجاهله المتعمد لحدود الآخرين. وفي الحالتين، يبقى التصرف غير مقبول ويستدعي وضع حد له.
الاحتماء بعبارة «أنت لا تفهم المزاح»
من أكثر الأساليب إرباكاً للمتضرر أن يُطلب منه الاعتذار عن غضبه، بدلاً من أن يتحمل صاحب التصرف مسؤوليته. وقد يسمع عبارات من قبيل «أنت حساس أكثر من اللازم» أو «كنت أمزح معك فقط».
وهذه العبارات لا تمحو ما حدث، ولا تعفي من المسؤولية عن تعريض الآخرين للخطر.
ثالثاً: كيف توجه ابنك للتعامل مع زميل يهدده بالنار؟
إذا تعرض ابنك لموقف مشابه، فإن المطلوب ليس دفعه إلى المواجهة الجسدية أو الانتقام، بل مساعدته على حماية نفسه واتخاذ موقف واضح وحازم من دون تعريض حياته لمخاطر إضافية.
خطوات عملية للتعامل مع الواقعة
- الابتعاد عن مصدر الخطر: مغادرة المكان إذا كان الزميل يحمل ولاعة أو أداة خطرة ويستخدمها للتهديد.
- إعلان الرفض بوضوح: القول بهدوء ومن مسافة آمنة إن هذا التصرف غير مقبول ويجب ألا يتكرر.
- توثيق الحادث: تدوين توقيته وتفاصيله وأسماء الشهود والاحتفاظ بصور أي آثار للإصابة.
- إبلاغ إدارة السكن: تقديم شكوى واضحة فور وقوع الاعتداء، وطلب إجراءات تمنع تكراره.
- طلب تغيير الغرفة عند الحاجة: إذا لم تعد البيئة السكنية آمنة، فلا ينبغي التضحية بالسلامة حفاظاً على العلاقة مع زميل السكن.
الحزم لا يعني الدخول في مواجهة خطرة
يمكن للشاب أن يقول بوضوح: «ما فعلته عرّضني للأذى، ولا أقبل تكراره. سأبلغ إدارة السكن حتى أضمن سلامتي».
ولا ينبغي محاولة انتزاع أداة خطرة بالقوة أو الاقتراب من شخص يهدد بها، بل يجب إعطاء الأولوية للابتعاد وطلب المساعدة.
توثيق الحروق وطلب الرعاية الطبية
إذا أصيب الطالب بحرق، ينبغي تبريد المنطقة المصابة تحت ماء جارٍ فاتر أو بارد لمدة عشرين دقيقة، دون وضع الثلج مباشرة على الجلد أو استخدام وصفات منزلية قد تزيد الضرر، مع طلب التقييم الطبي إذا ظهرت إصابة جلدية أو استمر الألم أو كانت الإصابة في موضع حساس.
كما يفضل الاحتفاظ بوثائق الإصابة والصور والتقرير الطبي إن وُجد، للمساعدة في توضيح حقيقة ما حدث أمام الجهات المختصة.
رابعاً: هل يجب إخبار بقية الطلاب بما حدث؟
أرى أن حماية بقية الطلاب أمر ضروري، وأن الصمت عن سلوك ينطوي على خطر حقيقي قد يترك الآخرين دون معرفة بما ينبغي الحذر منه.
لكن التحذير يجب أن يتم بمسؤولية، من خلال إبلاغ مشرف السكن والجهة المختصة وشهود الواقعة، وتوضيح التصرف الذي حدث بالفعل دون إضافة اتهامات غير مثبتة أو إطلاق أحكام تتعلق بشخصية مرتكب الفعل أو جرائم لم يرتكبها.
فمن حق الطلاب أن يعيشوا في بيئة آمنة، ومن حقهم الإبلاغ عن التهديدات، كما أن حماية المجتمع الجامعي لا تتحقق بنشر الشائعات أو التشهير، وإنما بتوثيق الوقائع ومحاسبة المسؤول عنها وفق الأنظمة.
وفي حال وجود تهديد مباشر أو تكرار استخدام النار أو أدوات خطرة، ينبغي الاستعانة بأمن الجامعة أو الجهات المختصة دون انتظار تفاقم الموقف.
خامساً: مسؤولية الجامعات في حماية الطلاب من التنمر والعنف
لا يجوز أن يُترك الطالب وحده في مواجهة هذه التصرفات، فالسكن الجامعي ليس مجرد مكان للمبيت، بل بيئة ينبغي أن تتوافر فيها معايير واضحة للأمان والانضباط واحترام الحقوق الشخصية.
ومن مسؤولية إدارة السكن التعامل الجاد مع الشكاوى المتعلقة بالتهديد أو الإيذاء الجسدي، وتوفير آليات آمنة وسرية للإبلاغ، واتخاذ إجراءات وقائية تحول دون تعرض الطالب للانتقام بسبب شكواه.
كما ينبغي تعزيز الوعي بين الطلاب بأن المزاح لا يمكن أن يكون مبرراً لاستخدام أدوات قد تسبب الإصابة أو إهانة الآخرين أو ترهيبهم.
لا تسمح لأحد بأن يحوّل سلامتك إلى مزحة
إن أخطر ما في هذا النوع من المواقف ليس فقط استخدام النار، بل محاولة تحويل الخطر إلى أمر عادي، ثم إلقاء اللوم على من تعرض للأذى لأنه رفض أو غضب.
ولهذا أقول لكل شاب يعيش بعيداً عن أسرته: كن متسامحاً، لكن لا تتساهل في سلامتك. وكن هادئاً، لكن لا تصمت عن الاعتداء. واحرص على العلاقات الطيبة، لكن لا تجعل خوفك من الخلاف سبباً لبقائك في مكان يهدد أمنك.
إن القوة الحقيقية ليست في إخافة الآخرين، بل في احترامهم. والشجاعة ليست في مواجهة الخطر بالعنف، وإنما في معرفة متى تقول «لا»، ومتى تطلب المساعدة، ومتى تبتعد عن البيئة التي لم تعد آمنة.
هانم داود
مقال رأي وتوعية يعبر عن وجهة نظر كاتبته، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.
أسئلة وأجوبة حول التنمر في السكن الجامعي
هل استخدام النار في المزاح يعد تنمراً؟
قد يكون استخدام النار لإخافة زميل أو إيذائه شكلاً من أشكال السلوك العدواني أو التنمر، خصوصاً عند تكراره أو استخدامه للترهيب، كما قد يشكل اعتداءً يستوجب المساءلة وفق القانون المعمول به.
ماذا أفعل إذا هددني زميلي في السكن الجامعي؟
ابتعد عن مصدر الخطر، ووثّق الواقعة، وأبلغ إدارة السكن أو أمن الجامعة. وإذا كان التهديد مباشراً وخطيراً، تواصل مع خدمات الطوارئ المختصة.
هل ينبغي إبلاغ إدارة السكن من أول حادث؟
نعم، إذا تضمن الحادث استخدام النار أو أداة خطرة أو تسبب في إصابة، فلا داعي لانتظار تكراره قبل طلب تدخل الإدارة واتخاذ إجراءات الحماية.
هل يجوز تحذير الزملاء من الشخص الذي تسبب في الأذى؟
يمكن مشاركة المعلومات الدقيقة مع الأشخاص المعنيين بالسلامة والجهات المسؤولة، مع تجنب الشائعات والاتهامات غير المثبتة والتشهير.
متى ينبغي تغيير غرفة السكن الجامعي؟
عندما يستمر التهديد أو لا تتوافر ضمانات كافية للسلامة، يمكن طلب تغيير الغرفة أو الانتقال إلى مكان آمن بالتنسيق مع إدارة السكن.