توافق في الاتجاه المعاكس.. معتصم حمادة ينتقد تأجيل الانتخابات الفلسطينية ويحذر من تكريس الانقسام

توافق في الاتجاه المعاكس.. معتصم حمادة ينتقد تأجيل الانتخابات الفلسطينية ويحذر من تكريس الانقسام

بقلم: معتصم حمادة

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

مبدأ التوافق الوطني في العلاقات الفلسطينية مبدأ ثابت، تصر عليه الأطراف الحريصة على الحد من حالة الانقسام والتشتت والتشرذم، والاقتراب، بخطوات وئيدة، نحو الوحدة الوطنية في المؤسسات الجامعة، كالمجلس الوطني والمجلس التشريعي، بما يعزز الصمود الميداني للحراكات الشعبية، وتحولها إلى مقاومة تخطو على طريق المواجهة والتصدي والثبات، وصولاً إلى تحقيق الأهداف الوطنية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما يتحول التوافق الوطني، الذي يُفترض أن يكون وسيلة للتقدم نحو الوحدة وتجديد المؤسسات، إلى توافق على تأجيل استحقاق ديمقراطي طال انتظاره؟

الفكرة المحورية للمقال

يرى الكاتب أن التوافق الوطني يجب أن يقود إلى إنهاء الانقسام وتجديد المؤسسات الفلسطينية عبر الانتخابات، لا أن يتحول إلى غطاء سياسي لتأجيلها، بما يطيل أمد الفراغ المؤسساتي ويؤخر إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

التوافق الوطني بين الحوارات السابقة والاستحقاق الديمقراطي

إذا ما عدنا إلى محطات الحوارات الوطنية الفلسطينية، نلاحظ أنها أجمعت على أهمية وحدة الصف من خلال الأطر الوطنية، القائمة منها والمستحدثة، باعتبارها مدخلاً لمعالجة الانقسام وتوحيد المؤسسات والقرار السياسي.

ومن هذه الأطر، الإطار القيادي المؤقت الذي أعاد «حوار بكين» التأكيد على تشكيله، وكذلك الطروحات المتعلقة بالقيادة الوطنية للمقاومة، وتشكيل لجنة حكماء تتولى تقديم مشروع وطني وإستراتيجية وطنية للحالة الفلسطينية.

وهي أفكار سبق أن حضرت في محطات الحوار الوطني، ومنها المؤتمر الذي انعقد بين رام الله وبيروت في الثالث من سبتمبر 2020، برئاسة الرئيس محمود عباس، وطرح الحاجة إلى إستراتيجية مشتركة لمواجهة التحديات الوطنية.

لقد كان الاتجاه العام لهذه الحوارات، على اختلاف ظروفها ونتائجها، يقوم على البحث عن آليات تقرّب الفلسطينيين من الوحدة الوطنية، وتعالج الخلل الذي أصاب المؤسسات السياسية والتمثيلية.

خطوة إلى الوراء باسم التوافق الوطني

أما الخطوة النشاز في هذا المسار التوافقي، فقد تمثلت هذه المرة في التوافق على خطوة إلى الوراء، تتعارض مع الميل العام إلى إجراء انتخابات للمجلسين الوطني والتشريعي والرئاسة، بما ينهي حالة الفراغ المؤسساتي، ويعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، ويحدث النقلة المطلوبة في المسار النضالي الوطني.

هذا الميل العام عبّر عنه، على امتداد أكثر من عشر سنوات، طيف واسع من الحالة الوطنية الفلسطينية، سواء من كان داخل ما تبقى من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، أو من كان خارجها.

وكان التطلع المشترك هو الانتقال إلى حالة وطنية مؤسساتية معافاة، تضع حداً للفوضى السياسية، وتعيد جمع الضفة الغربية وقطاع غزة في إطار نظام سياسي موحد، يستند إلى المشاركة الشعبية وتجديد الشرعيات عبر صناديق الاقتراع.

مفارقة التوافق: يتساءل الكاتب عن جدوى توافق سياسي لا يقود إلى تنفيذ الاستحقاق الانتخابي، بل إلى تأجيله، ويرى أن هذا الاتجاه يتناقض مع الغاية الأساسية من الحوارات الوطنية التي يفترض أن تفتح الطريق نحو الوحدة وتجديد المؤسسات.

مبررات تأجيل الانتخابات الفلسطينية تعيد إلى الذاكرة قرار عام 2021

إذا ما راجعنا ما ورد في بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي لم يُجمع جميع أعضائها على التأجيل، بل شهدت مواقف معارضة له، نلاحظ أن الأسباب المقدمة ترتبط بعدم توافر الظروف السياسية والأمنية الملائمة لتنظيم الانتخابات.

وهي مبررات تعيد إلى الذاكرة ما جرى عام 2021، حين فاجأ قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية القوى السياسية والرأي العام، على خلفية رفض إسرائيل إجراء الانتخابات في القدس المحتلة.

وفي تقديري، تحولت قضية القدس في تلك المحطة إلى مبرر سياسي استُخدم لتعطيل استحقاق كان الفلسطينيون ينتظرونه، بدلاً من تحويل المعركة من أجل مشاركتها في الانتخابات إلى قضية مواجهة سياسية ودبلوماسية وشعبية.

واليوم، تعود مبررات الظروف السياسية والأمنية إلى الواجهة، ولكن في سياق جديد، وفي ظل حاجة أشد إلحاحاً إلى تجديد المؤسسات واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

هل تتغير الظروف بعد عام من التأجيل؟

إذا ما نظرنا إلى الموعد الجديد المقرر للانتخابات، نلاحظ أنه يأتي بعد نحو عام، في ظل غياب ضمانات سياسية تؤكد أن الظروف القائمة التي سيقت مبرراً للتأجيل سوف تتغير، أو أن البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات ستكون متاحة عند حلول الموعد الجديد.

فما الذي يضمن أن القيود المفروضة على القدس وقطاع غزة ستزول؟ وما الذي يؤكد أن الظروف الأمنية والسياسية ستصبح أكثر ملاءمة؟ وهل يملك أصحاب قرار التأجيل خطة واضحة لمعالجة العقبات، أم أن الأمر سيظل مرهوناً بانتظار تطورات لا يستطيع أحد تحديد موعدها؟

إن إعلان موعد جديد لا يكفي وحده لمعالجة أزمة المؤسسات إذا لم يقترن بالتزامات سياسية واضحة وإجراءات عملية تضمن إجراء الانتخابات وعدم تكرار تجربة التأجيل.

الرهان على المجتمع الدولي في عالم مضطرب

نلاحظ أيضاً أن الرهان على توفير الظروف المناسبة للانتخابات تمثل في دعوة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته وإسناد الشعب الفلسطيني في ممارسة حقه الديمقراطي.

غير أن هذا الرهان يأتي في وقت يشهد فيه العالم حالة واسعة من الفوضى والحروب والصراعات، من أوكرانيا إلى شمال إفريقيا وبلاد الشام، ومن ضفتي البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز والخليج، إلى التوترات في جنوب آسيا وشرقها، وصولاً إلى فنزويلا وكوبا ومناطق أخرى من أميركا اللاتينية.

إن المجتمع الدولي الذي يُطلب منه توفير ضمانات لإجراء الانتخابات الفلسطينية يعيش بدوره حالة من التنافس العسكري والاقتصادي والسياسي، وتبدو قدرته على فرض الالتزام بالقانون الدولي وحماية الحقوق الوطنية للشعوب موضع تساؤل جدي.

ولهذا، فإن تعليق الاستحقاقات الديمقراطية الفلسطينية على انتظار ظروف دولية أفضل قد يعني، في المحصلة، تأجيلها مرة بعد أخرى، دون الوصول إلى الحل المطلوب.

السؤال الذي يطرحه الكاتب

إذا كانت الظروف السياسية والأمنية قد حالت دون إجراء الانتخابات في موعدها، فما الضمانات العملية التي ستجعلها ممكنة في الموعد الجديد؟ وهل يكفي التعويل على المجتمع الدولي في ظل الصراعات والأزمات التي يشهدها العالم؟

المصالح الفئوية أم المصلحة الوطنية العليا؟

ولا يبقى، والحال هذه، سوى التساؤل عن الأسباب السياسية الضيقة التي قد تكون دفعت بعض الأطراف إلى القبول بالتأجيل، انطلاقاً من حسابات ترى أن الاستحقاق الانتخابي لا يكفل لها تحقيق ما تطمح إليه من نتائج ومواقع ونفوذ.

وفي مثل هذه الحالة، تعلو المصالح الضيقة والفئوية والحسابات الحزبية على المصالح الوطنية العليا، ويتحول التوافق من وسيلة لتوحيد الصفوف إلى أداة لتأجيل استحقاق يفترض أن يكون مدخلاً لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فاستمرار تعطيل المؤسسات المنتخبة لا يمكن التعامل معه بوصفه أمراً طبيعياً، ولا يجوز أن تصبح إدارة الانقسام بديلاً دائماً عن العمل لإنهائه.

المجلس التشريعي الفلسطيني وامتداد الفراغ المؤسساتي

لقد تعطل المجلس التشريعي الفلسطيني منذ الانقسام عام 2007، ثم جرى حلّه في عام 2018، على أن تُعقد انتخابات لاختيار مجلس جديد يعيد للمؤسسة التشريعية دورها في الحياة السياسية والرقابية.

لكن السنوات مضت دون أن يتحقق هذا الاستحقاق، وبقي الوضع المؤسساتي على حاله، فيما تزداد الحاجة إلى مجلس منتخب يمثل الإرادة الشعبية، ويمارس دوره في التشريع والرقابة والمساءلة.

والأمر نفسه ينسحب على المجلس الوطني الفلسطيني، بوصفه المؤسسة التمثيلية الجامعة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والتي يفترض أن يكون تجديدها جزءاً أساسياً من عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

فلا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي شامل، أو عن تجديد الحياة الديمقراطية، إذا ظلت المؤسسات المنتخبة رهينة التأجيل، وبقيت القرارات الوطنية الكبرى بعيدة عن المشاركة الشعبية الواسعة.

التوافق الوطني المطلوب هو الذي يقود إلى الأمام

إن التوافق الوطني الحقيقي يجب أن يشكل مدخلاً لاستعادة الوحدة وتجديد المؤسسات، والاتفاق على برنامج وطني وإستراتيجية نضالية مشتركة، وليس مجرد اتفاق على إرجاء الانتخابات وإبقاء الأوضاع السياسية والمؤسساتية معلقة.

لقد دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة نتيجة الانقسام وتعطيل الحياة الديمقراطية، ومن حقه أن يرى مساراً مختلفاً يضع المصالح الوطنية العليا فوق الحسابات الفئوية والحزبية.

فهل نريد توافقاً يفتح الطريق نحو تجديد الشرعية الوطنية والمؤسسات التمثيلية، أم توافقاً يكرس التأجيل ويعيد إنتاج الأزمة ذاتها؟

خلاصة موقف الكاتب: إن التوافق الذي يفضي إلى تأجيل الانتخابات، بدلاً من إزالة العقبات أمام إجرائها، يتناقض مع الهدف المعلن للحوارات الوطنية، ويهدد بإطالة أمد الانقسام والفراغ المؤسساتي.

إنه التوافق الوطني في الاتجاه المعاكس.

معتصم حمادة

عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.

أسئلة وأجوبة حول مقال «توافق في الاتجاه المعاكس»

ما القضية الأساسية التي يناقشها معتصم حمادة؟

يناقش الكاتب قرار تأجيل الانتخابات الفلسطينية، وينتقد استخدام التوافق الوطني لتبرير إرجاء الاستحقاقات الديمقراطية بدلاً من توحيد الجهود لإجرائها.

لماذا يصف الكاتب التوافق بأنه في الاتجاه المعاكس؟

لأنه يرى أن التوافق يفترض أن يقود إلى الوحدة وتجديد المؤسسات، بينما أدى في هذه الحالة، وفق تحليله، إلى تأجيل الانتخابات وإطالة أمد الفراغ المؤسساتي.

ما الموعد الجديد للانتخابات الفلسطينية؟

حدد المرسوم الرئاسي يوم 11 سبتمبر 2027 موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية الفلسطينية بصورة متزامنة، بعد تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر 2026.

ما المبررات الرسمية لتأجيل الانتخابات؟

أشارت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى الظروف السياسية والأمنية، والقيود المرتبطة بإجراء الانتخابات في قطاع غزة والقدس، وعدم توافر البيئة اللازمة لضمان مشاركة الناخبين وسلامة العملية الانتخابية.

ما علاقة تأجيل الانتخابات بالانقسام الفلسطيني؟

يرى الكاتب أن الانتخابات إحدى وسائل إعادة بناء المؤسسات وتوحيد النظام السياسي، وأن تكرار تأجيلها قد يطيل استمرار الانقسام ويؤخر تجديد الشرعية الديمقراطية.

ما المؤسسات التي يدعو الكاتب إلى تجديدها؟

يركز المقال على ضرورة تجديد المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني وإعادة بناء النظام السياسي على أساس المشاركة الشعبية والتوافق الوطني.