تيسير خالد: الديمقراطية تكتمل باحترام حقوق المختلفين معنا في الرأي.. ورفض إقصاء حماس من الحياة السياسية

تيسير خالد: الديمقراطية تكتمل باحترام حقوق المختلفين معنا في الرأي.. ورفض إقصاء حماس من الحياة السياسية

بقلم: تيسير خالد

نداء الوطن – عبّر وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا وبريطانيا عن أسفهم الشديد لقرار تأجيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني والانتخابات الرئاسية إلى سبتمبر 2027، معتبرين أن استمرار التأجيل يحرم الفلسطينيين من حقهم في اختيار ممثليهم المنتخبين، ويؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.

وأشار الوزراء، في بيان مشترك صدر في 13 أكتوبر 2026، إلى مرور نحو عقدين على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، وخمس سنوات على تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة عام 2021، مؤكدين أن جيلاً كاملاً من الفلسطينيين بلغ سن الرشد دون أن تتاح له فرصة اختيار ممثليه عبر صناديق الاقتراع.

ودعا البيان إلى إعادة النظر في قرار التأجيل، واتخاذ الخطوات اللازمة لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية دون مزيد من التأخير، كما طالب إسرائيل بالامتناع عن الإجراءات التي يمكن أن تعرقل العملية الانتخابية، بما في ذلك الترتيبات الضرورية لضمان مشاركة الفلسطينيين المستحقين للتصويت.

القضية الأساسية التي يناقشها المقال

  • تأييد الدعوات لإجراء الانتخابات الفلسطينية وتجديد شرعية المؤسسات.
  • رفض التدخل الخارجي في تحديد القوى السياسية الفلسطينية المؤهلة للمشاركة في الحياة الديمقراطية.
  • التمييز بين الاختلاف مع سياسات حركة حماس وبين الاعتراف بحقوق الخصوم السياسيين.
  • انتقاد ما يعتبره الكاتب ازدواجية في المعايير تجاه الأحزاب اليمينية الإسرائيلية المتطرفة.

موقف دولي من تأجيل الانتخابات يتقاطع مع مطالب فلسطينية

إلى هنا يبدو موقف وزراء الخارجية الأربعة مقبولاً، وهو يتماشى مع موقف عدد من القوى والكيانات السياسية الفلسطينية، وفي مقدمتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التي تعارض قرار التأجيل وتدعو إلى العودة عنه.

فالانتخابات استحقاق وطني وسياسي ودستوري طال انتظاره، ومن حق الشعب الفلسطيني أن يمارس دوره في انتخاب مؤسساته وقياداته، وتجديد شرعيتها، وإنهاء حالة التعطيل التي أصابت الحياة السياسية والدستورية الفلسطينية.

ونضيف أننا نقدر لهذه الدول، على وجه التحديد، مواقفها خلال الفترة الأخيرة، فقد اعترفت بدولة فلسطين، بما تمتلكه من وزن سياسي ودبلوماسي، كما صدرت عنها مواقف متقدمة تعارض السياسات الاستيطانية التوسعية الإسرائيلية.

واتخذت هذه الدول إجراءات وعقوبات استهدفت مستوطنين وكيانات استيطانية متورطة في أعمال عنف ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، في سياق ضغوط دبلوماسية تستهدف حماية فرص التسوية السياسية القائمة على حل الدولتين.

وهذه مواقف جديرة بالتقدير، ولا ينبغي تجاهل أهميتها في ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من سياسات احتلال واستيطان واعتداءات متواصلة على أرضه وحقوقه الوطنية.

رفض التدخل الخارجي في تحديد مستقبل الحكم الفلسطيني

غير أن ما لا يمكن قبوله على الإطلاق هو ذلك الموقف الذي تضمنه البيان المشترك بشأن استبعاد حركة المقاومة الإسلامية «حماس» من أي دور في مستقبل الحكم في فلسطين.

فقد شدد الوزراء الأربعة، في ختام بيانهم، على موقفهم الرافض لأي دور لحماس في الحكم الفلسطيني مستقبلًا، وهو موقف يطرح، من وجهة نظري، إشكالية سياسية وديمقراطية تتجاوز حدود الاختلاف مع الحركة أو تقييم سياساتها وممارساتها.

ذلك أن الدعوة إلى تجديد الحياة الديمقراطية الفلسطينية من خلال الانتخابات ينبغي أن تنطلق من احترام إرادة الناخب الفلسطيني، وليس من محاولة فرض نتائج سياسية مسبقة أو تحديد الأطراف المقبولة دولياً في الحكم قبل أن يقول الشعب كلمته.

إن مستقبل المؤسسات الفلسطينية وطبيعة القوى التي تمثل الشعب داخلها يجب أن يرتبطا بإرادة الفلسطينيين والقواعد الديمقراطية والقانونية التي تنظم حياتهم السياسية، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.

جوهر اعتراض الكاتب: يرى تيسير خالد أن المطالبة بإجراء انتخابات ديمقراطية ينبغي ألا تقترن بمحاولة تحديد القوى المقبولة في الحكم مسبقاً، لأن ذلك قد ينتقص من حق الناخب الفلسطيني في اختيار ممثليه.

الاختلاف مع حماس لا يبرر إلغاء حقوق الخصوم السياسيين

ولمزيد من التوضيح، أود أن أؤكد أنني لست من المعجبين بحركة حماس وسياساتها، خاصة بعد الدور الذي قامت به في أحداث عام 2007 وسيطرتها على قطاع غزة، وما ترتب على ذلك من إفساد للحياة السياسية والدستورية الفلسطينية، وتعميق الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

غير أن هذا الموقف النقدي من الحركة لا يلغي حقيقة أساسية في الممارسة الديمقراطية، وهي أن الديمقراطية لا تكتمل، من حيث المبدأ، إذا لم نحترم حقوق الذين نختلف معهم في الرأي.

فالاعتراف بحقوق الخصوم السياسيين لا يعني الموافقة على برامجهم أو مواقفهم، ولا يعفيهم من الالتزام بالقانون أو من المساءلة عن أفعالهم، وإنما يؤكد أن التعددية السياسية لا تستقيم إذا أصبحت الحقوق الديمقراطية حكراً على القوى التي تحظى بقبول طرف معين.

وهذا هو المبدأ الذي يفترض أن يحترمه الوزراء المعنيون، إذا كانوا يريدون بالفعل دعم مؤسسات فلسطينية منتخبة تتمتع بالمصداقية والشرعية المستمدة من الإرادة الشعبية.

ازدواجية المعايير في التعامل مع الأحزاب السياسية

أبعد من ذلك، فإنني أرى في هذا التوجه نحو الإقصاء موقفاً استعلائياً يعكس ازدواجية في المعايير التي تتبعها بعض الدول الغربية عند تعاملها مع الحياة السياسية الفلسطينية والإسرائيلية.

ففي الوقت الذي يجري فيه التشديد على استبعاد حركة حماس من مستقبل الحكم الفلسطيني، لا نجد في البيان المشترك موقفاً مماثلاً تجاه أحزاب إسرائيلية يمينية متطرفة، من بينها حزب «الصهيونية الدينية» المرتبط ببتسلئيل سموتريتش، وحزب «عظمة يهودية» الذي يقوده إيتمار بن غفير.

وهذه أحزاب تنكر على الشعب الفلسطيني حقوقاً سياسية ووطنية أساسية، وتتبنى مواقف متشددة تجاه الفلسطينيين ومستقبلهم على أرضهم، كما يرتبط خطاب عدد من قياداتها بالدفاع عن التوسع الاستيطاني ورفض إقامة الدولة الفلسطينية.

ومن وجهة نظري، فإن بعض الخطابات والسياسات التي تتبناها هذه القوى تثير مقارنات مقلقة مع تجارب تاريخية قامت على التمييز والفصل العنصري والإقصاء القومي، ومنها نظام الفصل العنصري الذي عرفته جنوب إفريقيا في الماضي.

ولا يمكن المطالبة بمعايير ديمقراطية صارمة في الحالة الفلسطينية، ثم تجاهل أثر الخطابات العنصرية والإقصائية في الحياة السياسية الإسرائيلية، أو الامتناع عن إخضاعها للمساءلة السياسية والأخلاقية نفسها.

السؤال السياسي الذي يطرحه المقال

كيف يمكن للدول التي تطالب باحترام الاختيار الديمقراطي الفلسطيني أن تتبنى في الوقت نفسه موقفاً يستبعد قوة سياسية بعينها من الحكم مسبقاً، دون تطبيق معايير متسقة على القوى الإسرائيلية التي تتبنى مواقف متطرفة تجاه حقوق الشعب الفلسطيني؟

الديمقراطية الفلسطينية بين حق الانتخاب واحترام التعددية

إن الحاجة إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية لا تنفصل عن الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتجديد شرعيتها وإنهاء حالة الانقسام، وتوفير بيئة سياسية وقانونية تسمح للمواطنين بممارسة حقهم في الاختيار والمحاسبة.

لكن هذا الاستحقاق يفقد جزءاً من معناه إذا ارتبط بشروط سياسية خارجية تحدد مسبقاً القوى المقبولة في الحكم، بدلاً من أن تترك للناخبين حرية الاختيار في إطار القانون والقواعد الديمقراطية.

ومن الضروري التمييز هنا بين حق القوى السياسية في العمل والمنافسة وفق أحكام القانون، وبين مسؤوليتها عن احترام التعددية والحريات العامة ونتائج الانتخابات والانتقال السلمي للسلطة.

فلا يمكن لأي طرف أن يطالب بحقوقه الديمقراطية، ثم ينكر هذه الحقوق على الآخرين، كما لا يمكن بناء نظام سياسي ديمقراطي سليم في غياب المساواة أمام القانون والمساءلة عن الانتهاكات.

احترام حقوق المختلفين معنا هو الامتحان الحقيقي للديمقراطية

إن الممارسة الديمقراطية لا تقاس فقط بوجود صناديق اقتراع، ولا بمجرد إعلان الالتزام بالتعددية السياسية، وإنما تتجسد أيضاً في احترام حق المخالفين لنا في الرأي والموقف السياسي، وفي ضمان عدم تحول الاختلاف إلى ذريعة للإقصاء والتهميش.

ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة الدولية إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية خطوة إيجابية ومطلوبة، ولكنها ينبغي أن تقترن باحترام حق الفلسطينيين في تقرير مستقبل نظامهم السياسي، واختيار ممثليهم وقياداتهم دون وصاية خارجية.

وفي الوقت نفسه، يتعين على جميع القوى الفلسطينية أن تتحمل مسؤولياتها تجاه إعادة بناء الحياة السياسية والدستورية، واحترام الحريات العامة والتعددية والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

فالديمقراطية الحقيقية لا تختبر حين نحترم حقوق الذين يتفقون معنا، بل حين نكون قادرين على احترام حقوق الذين نختلف معهم، والدفاع عن قواعد سياسية وقانونية تسري على الجميع دون استثناء.

خلاصة موقف الكاتب: تأجيل الانتخابات الفلسطينية يستحق الاعتراض، لكن الدفاع عن الديمقراطية يجب أن يظل قائماً على احترام إرادة الشعب وحقوق الخصوم السياسيين، لا على فرض شروط إقصائية مسبقة أو معايير مختلفة على الأطراف المتنافسة.

تيسير خالد

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.

أسئلة وأجوبة حول تأجيل الانتخابات الفلسطينية والبيان الدولي

ما الدول التي أصدرت البيان المشترك بشأن الانتخابات الفلسطينية؟

أستراليا وكندا وفرنسا والمملكة المتحدة، عبر وزراء خارجيتها، في بيان مشترك صدر يوم 13 أكتوبر 2026.

ما موعد الانتخابات الفلسطينية بعد قرار التأجيل؟

جرى تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية إلى سبتمبر 2027، وحدد المرسوم الرئاسي يوم 11 سبتمبر 2027 موعداً للاقتراع.

لماذا انتقد وزراء الخارجية تأجيل الانتخابات؟

اعتبروا أن التأجيل المتكرر يحرم الفلسطينيين من حق اختيار ممثليهم ويضعف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، بعد نحو عقدين دون انتخابات تشريعية عامة.

ماذا جاء في البيان الدولي بشأن حركة حماس؟

أكدت الدول الأربع موقفها الرافض لأي دور لحماس في مستقبل الحكم في فلسطين. ولم يتضمن البيان نصاً صريحاً يحظر ترشح الحركة في الانتخابات، وإن كان موقفها بشأن الحكم محل انتقاد سياسي من الكاتب.

لماذا ينتقد تيسير خالد الموقف الدولي رغم تأييده إجراء الانتخابات؟

لأنه يرى تناقضاً بين المطالبة باحترام الخيار الديمقراطي للفلسطينيين وبين تبني موقف مسبق يستبعد إحدى القوى السياسية من مستقبل الحكم.

هل يعني احترام حقوق الخصوم السياسيين الموافقة على سياساتهم؟

لا. يميز الكاتب بين الاختلاف مع البرامج والمواقف السياسية وبين الاعتراف بالحقوق الديمقراطية، مع استمرار ضرورة احترام القانون والمساءلة عن الانتهاكات.

ما الرسالة الرئيسية للمقال؟

أن الممارسة الديمقراطية تكتمل باحترام حقوق المختلفين في الرأي، وأن مستقبل المؤسسات الفلسطينية ينبغي أن يستند إلى الإرادة الشعبية والقانون، لا إلى الإقصاء السياسي المسبق.