تهويد القدس وإلغاء فلسطين.. بكر أبو بكر يحذر من طمس الهوية ويدعو إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي

تهويد القدس وإلغاء فلسطين.. بكر أبو بكر يحذر من طمس الهوية ويدعو إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي

بقلم: بكر أبو بكر

نداء الوطن – تشكل مدينة القدس محورًا أساسيًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس باعتبارها قضية فلسطينية خالصة فحسب، بل لما تحمله من أبعاد تاريخية وحضارية ودينية ترتبط بالعالمين العربي والإسلامي، وبالديانة المسيحية أيضًا، في ظل السياسات الإسرائيلية التي تستهدف، وفق رؤية الكاتب، تغيير هويتها العربية ومعالمها التاريخية والثقافية والسكانية.

ولا تنفصل محاولات تغيير طابع القدس عن المشروع الأوسع الذي يستهدف الأرض الفلسطينية وروايتها التاريخية، من خلال تغيير أسماء المواقع والمعالم، والتوسع الاستيطاني، وهدم المنازل، وتقييد الإقامة، والتضييق على المؤسسات التعليمية والثقافية والوطنية.

إن المعركة على القدس، كما أراها، ليست معركة على الجغرافيا وحدها، وإنما على التاريخ والذاكرة والهوية والوجود الإنساني، وعلى حق الشعب الفلسطيني في الاحتفاظ بمدينته ومقدساته وتراثه وحقوقه الوطنية.

أبرز المحاور التي تتناولها الدراسة

  • المكانة التاريخية والدينية والسياسية للقدس في القضية الفلسطينية.
  • تغيير الأسماء والمعالم التاريخية والثقافية والعمرانية للمدينة.
  • الاستيطان وهدم المنازل وسحب الإقامات والقيود على المقدسيين.
  • أسرلة التعليم وتغيير الهوية الثقافية للمؤسسات والأحياء.
  • أهمية حماية الرواية التاريخية الفلسطينية وتوثيق الممتلكات والأوقاف.
  • برنامج مقترح للتحرك الفلسطيني والعربي والإسلامي والدولي لحماية القدس.

القدس في الوعي الفلسطيني وقرار التقسيم عام 1947

تحتل القدس مكانة استثنائية في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي، لما تختزنه من تاريخ ديني وثقافي وحضاري يمتد عبر قرون طويلة.

وقد تناول قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، الصادر عام 1947 والمعروف بقرار التقسيم، وضع القدس باعتبارها كيانًا منفصلًا يخضع لنظام دولي خاص، وهو ما يعكس خصوصية المدينة وأهميتها الدينية والتاريخية.

وفي محادثات كامب ديفيد عام 2000، تمسك الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بموقفه الرافض للتنازل عن الحقوق الفلسطينية في القدس، انطلاقًا من مكانتها الوطنية والدينية ودورها في أي تسوية سياسية مستقبلية.

وفي المقابل، أعلنت إسرائيل في قانون أساسي أصدره الكنيست عام 1980 اعتبار القدس عاصمة موحدة لها، وهو موقف لا يغير الوضع القانوني الدولي للقدس الشرقية بوصفها أرضًا محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة والمواقف الدولية ذات الصلة.

ومن هنا، فإن الخلاف حول القدس يتجاوز مسألة الإدارة السياسية، ليطال السيادة والهوية والرواية التاريخية ومستقبل الوجود الفلسطيني في المدينة.

تغيير الأسماء العربية وإعادة تشكيل الذاكرة الجغرافية

من أبرز أدوات الصراع على الهوية ما جرى بعد نكبة عام 1948 من تغيير واسع للأسماء الجغرافية الفلسطينية، بما شمل قرى ومدنًا وجبالًا وأودية ومواقع تاريخية وطبيعية.

فقد أُنشئت لجان إسرائيلية لإعادة تسمية المواقع، في عملية تناولها الكاتب الإسرائيلي ميرون بنفنستي في كتابه «المشهد المقدس: طمس تاريخ الأرض المقدسة منذ 1948»، حيث بحث العلاقة بين الجغرافيا والذاكرة والهوية السياسية.

ولا يمكن النظر إلى تغيير الأسماء باعتباره مجرد إجراء لغوي أو إداري، إذ يرتبط، وفق القراءة التي تتبناها هذه الدراسة، بمحاولة إعادة تعريف المكان وعلاقته بتاريخ السكان الأصليين، وإضعاف حضور الأسماء العربية الفلسطينية في الوعي العام.

وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما تمتد إلى المناهج الدراسية والخرائط والإشارات العامة والخطاب الإعلامي، بما قد يؤدي تدريجيًا إلى تراجع استخدام التسميات الفلسطينية التاريخية.

القدس على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر

تكتسب حماية المعالم التاريخية في القدس أهمية دولية، إذ أُدرجت مدينة القدس القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو عام 1981، ثم أُدرجت على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر عام 1982.

وتعكس هذه المكانة الاعتراف الدولي بالقيمة التاريخية والحضارية والمعمارية الاستثنائية للمدينة، والحاجة إلى حماية تراثها الإسلامي والمسيحي واليهودي وموروثها العمراني المتراكم عبر العصور.

وقد أثارت أعمال الحفر والمشروعات العمرانية وتغيير البيئة التاريخية المحيطة بالبلدة القديمة انتقادات واعتراضات متكررة في الهيئات الدولية المختصة بحماية التراث الثقافي.

ومن الضروري هنا التعامل مع القدس باعتبارها تراثًا إنسانيًا حيًا، لا مجرد مجموعة مبانٍ أثرية، لأن الحفاظ على طابعها التاريخي يرتبط أيضًا بحماية سكانها ومؤسساتها وموروثها الثقافي والاجتماعي.

من هدم حارة المغاربة إلى المشروعات العمرانية الجديدة

يشكل هدم حارة المغاربة في القدس عام 1967 أحد أبرز الأمثلة التاريخية على التغييرات العمرانية التي شهدتها المدينة بعد احتلال شطرها الشرقي.

فقد هُدمت الحارة الواقعة بالقرب من حائط البراق، وهُجّر سكانها لإقامة الساحة التي أصبحت تُعرف إسرائيليًا بساحة الحائط الغربي، ما أدى إلى اختفاء حي تاريخي كان جزءًا من النسيج العمراني والاجتماعي للبلدة القديمة.

واستمرت لاحقًا مشاريع تطوير عمراني وسياحي أثارت اعتراضات فلسطينية، من بينها مشروع التلفريك في القدس ومشروعات المصاعد والممرات والبنية التحتية القريبة من المواقع التاريخية والدينية.

ويرى معارضو هذه المشروعات أنها قد تؤثر في المشهد البصري والتاريخي للمدينة، وتساعد على تكريس رواية عمرانية وسياسية محددة على حساب الطابع العربي والإسلامي والمسيحي للقدس.

الاستيطان وهدم المنازل والضرائب.. ضغوط على الوجود الفلسطيني

لا تتوقف السياسات التي يتعرض لها المقدسيون عند حدود المشروعات العمرانية، بل تمتد إلى قضايا السكن والأرض والملكية والإقامة والضرائب والخدمات الأساسية.

وتشمل أبرز التحديات التي تواجه السكان الفلسطينيين أوامر هدم المنازل بحجة البناء دون ترخيص، وصعوبات الحصول على تراخيص البناء، والنزاعات المتعلقة بالعقارات والأوقاف، إضافة إلى الضرائب البلدية مثل ضريبة «الأرنونا».

وتزيد هذه الأعباء من الضغوط الاقتصادية والمعيشية على السكان والتجار، في مدينة تعاني أصلًا من قيود على التوسع العمراني وتفاوت في الخدمات والفرص الاقتصادية.

كما أن استمرار التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية ومحيطها يطرح تحديات تتعلق بالتواصل الجغرافي بين الأحياء الفلسطينية ومستقبل الترابط بين المدينة والضفة الغربية.

جوهر القضية: لا تقتصر حماية الوجود الفلسطيني في القدس على صيانة المعالم الدينية والتاريخية، بل تشمل حق السكان في السكن والتعليم والعمل والخدمات والمحافظة على الممتلكات والهوية الثقافية.

مراحل التهويد من الأسرلة الإدارية إلى تغيير الطابع الحضاري

يعرض الباحث الدكتور محمد مراد، في دراسته «القدس في الاستراتيجية الصهيونية من الأسرلة إلى التهويد»، قراءة لمراحل تغيير الطابع العربي للمدينة، باعتبارها عملية متعددة الجوانب لا تقتصر على الاستيطان أو السيطرة الأمنية.

وتبدأ هذه القراءة بما يسميه التهويد الإداري، المرتبط بفرض التسميات والأنظمة الإسرائيلية، ثم التهويد العقاري، الذي يتصل بتغيير السيطرة على الأراضي والمباني والممتلكات.

وتشمل المرحلة التالية التهويد السكاني، الذي يربطه الباحث بالسياسات المؤثرة في التوزيع الديموغرافي للسكان، وما يتبعها من توسع عمراني واستيطاني وتغيير في استخدامات الأراضي.

ثم يأتي التهويد العمراني والثقافي، الذي يتناول تغيير المظهر المعماري والمعالم التاريخية والرموز العامة للمدينة، بما يؤثر في حضور هويتها العربية الفلسطينية.

ويرى الباحث أن هذه الممارسات تسعى إلى إحداث قطيعة بين الجغرافيا الفلسطينية وتاريخ سكانها وذاكرتهم الجمعية، وهو ما يجعل الدفاع عن الهوية الثقافية واللغوية عنصرًا أساسيًا في حماية القدس.

الأحزمة الاستيطانية حول القدس وتأثيرها الجغرافي

تتناول دراسة محمد مراد إنشاء أحزمة استيطانية حول القدس، بوصفها جزءًا من سياسة إعادة تشكيل الجغرافيا المحيطة بالمدينة وتعزيز ارتباط المستوطنات بشبكات الطرق والمرافق الإسرائيلية.

ويشير الباحث إلى مراحل متعددة من التوسع الاستيطاني، شملت أحياء ومناطق في القدس ومحيطها، وصولًا إلى كتل استيطانية تمتد باتجاه الأراضي الواقعة شرقي المدينة والبحر الميت.

وتؤدي هذه المشروعات، بحسب القراءة الواردة في الدراسة، إلى زيادة الضغوط على التجمعات الفلسطينية وتقليص فرص التواصل الجغرافي بين القدس وأجزاء من الضفة الغربية.

كما يؤثر توسيع المستوطنات والطرق المحيطة بها في مستقبل التخطيط العمراني الفلسطيني واستخدام الأراضي والموارد المتاحة للسكان.

التهويد السياسي والاجتماعي وإضعاف المؤسسات المقدسية

إلى جانب التغييرات الجغرافية والعمرانية، يبرز البعد السياسي والاجتماعي في الصراع على القدس، خصوصًا في ظل القيود التي تواجه المؤسسات والقيادات والأنشطة الفلسطينية في المدينة.

وتتناول الدراسة إغلاق المؤسسات الفلسطينية والقيود المفروضة على النشاط السياسي، وتأثير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في قدرة المقدسيين على المحافظة على وجودهم ومؤسساتهم المحلية.

كما يتصل البعد الاجتماعي بمحاولات إعادة تشكيل التركيبة السكانية للأحياء، وتغيير طبيعة الخدمات والعلاقات العمرانية، بما ينعكس على استمرارية المجتمع الفلسطيني المحلي وتواصله التاريخي.

ويؤكد ذلك أن مواجهة هذه السياسات تحتاج إلى دعم المؤسسات المجتمعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، وعدم اختزال حماية القدس في الجانب السياسي أو الدبلوماسي وحده.

سحب الهويات والجدار العازل وأسرلة التعليم

يعرض الباحث الدكتور شادي عواد، في دراسته «تهويد القدس ثقافيًا (1967–2022)»، مجموعة من السياسات التي يرى أنها أثرت في الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967.

ومن أبرز هذه السياسات سحب حقوق الإقامة من بعض المقدسيين في سياق الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بما يسمى «مركز الحياة»، والقيود المرتبطة بالإقامة خارج المدينة لفترات محددة.

كما يتناول الباحث أثر الجدار الفاصل في عزل أحياء وتجمعات فلسطينية عن مركز القدس، وما ترتب عليه من صعوبات في الوصول إلى المؤسسات والخدمات وأماكن العمل والتعليم.

وفي المجال التعليمي، تتناول الدراسة محاولات توسيع استخدام المناهج الإسرائيلية في المدارس المقدسية، وما يثيره ذلك من نقاش حول حماية الهوية الوطنية والرواية التاريخية الفلسطينية لدى الأجيال الجديدة.

ويمثل التعليم إحدى أهم ساحات المحافظة على الذاكرة الثقافية، لأن أثر المناهج واللغة والتربية يمتد إلى تشكيل وعي الأجيال وعلاقتها بتاريخ المدينة ومجتمعها.

المسجد الأقصى ومعركة الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني

يشكل المسجد الأقصى المبارك أحد أبرز محاور الصراع السياسي والديني في القدس، في ظل الخلاف حول الإجراءات الإسرائيلية في محيطه ومحاولات تغيير ترتيبات الوصول والعبادة والإدارة.

ويمتد المسجد الأقصى بمبانيه وساحاته داخل أسواره على مساحة تقارب 144 ألف متر مربع، أي نحو 144 دونمًا، بما يشمل قبة الصخرة والمصلى القبلي وسائر مرافق الحرم الشريف.

وتحذر المؤسسات الفلسطينية والأردنية من الإجراءات التي يمكن أن تمس الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد، أو تؤدي إلى فرض ترتيبات جديدة على استخدام ساحاته ومرافقه.

وتبرز هنا أهمية حماية الأوقاف الإسلامية والمسيحية، وتفعيل الجهود الدبلوماسية والقانونية الرامية إلى المحافظة على الوضع التاريخي للمقدسات في المدينة.

توصيات بحثية لحماية القدس وهويتها التاريخية

خلصت دراسة الدكتور شادي عواد إلى مجموعة من التوصيات التي تستهدف تعزيز الاهتمام الأكاديمي والثقافي بمدينة القدس، ودعم المؤسسات والسكان في مواجهة التحديات المرتبطة بالاحتلال وتغيير المعالم التاريخية.

أبرز التوصيات البحثية والتعليمية

  • تعزيز الدراسات الأكاديمية المتخصصة في تاريخ القدس وجغرافيتها ومجتمعها وتراثها.
  • إدراج تاريخ القدس ضمن البرامج التعليمية في المدارس والجامعات العربية.
  • ترميم المدارس والمباني التاريخية الأيوبية والمملوكية حيثما أمكن.
  • توفير الدعم المادي والمعنوي للمقدسيين لتعزيز استقرارهم.
  • مساندة الجامعات والمؤسسات الثقافية والحقوقية العاملة في المدينة.
  • توسيع دور المنظمات الإقليمية والدولية في حماية التراث والحقوق الفلسطينية.

أولًا: ما المطلوب فلسطينيًا لمواجهة تهويد القدس؟

حماية الأسماء العربية والهوية الثقافية

تبدأ المواجهة من التمسك باللغة العربية والرواية الفلسطينية للأماكن والمعالم والشوارع والأحياء، وإعادة إحياء الأسماء العربية التاريخية في الخطاب اليومي والإعلامي والتعليمي والسياسي.

ولا ينبغي ترك استخدام أسماء الأماكن رهينًا بالتغييرات المفروضة على الخرائط واللافتات، بل يجب تعزيز حضور الأسماء الفلسطينية في المدارس والجامعات والخرائط الرقمية والوسائط الثقافية.

دعم المدارس المقدسية وحماية التعليم

يشكل دعم المدارس والمؤسسات التعليمية الفلسطينية ضرورة أساسية للحفاظ على تعليم متصل بالهوية الثقافية والوطنية والتاريخية للمجتمع المقدسي.

ويحتاج ذلك إلى تمويل مستدام للمدارس، وتطوير المواد التعليمية والأنشطة الثقافية، ودعم المعلمين والطلاب، وتوفير برامج قادرة على تعزيز معرفة الأجيال بتاريخ القدس وتراثها.

توثيق الملكيات وتقديم المساعدة القانونية

تحتاج القدس إلى عمل مؤسسي منظم لتوثيق ملكيات الأراضي والعقارات والأوقاف والسجلات التاريخية، باستخدام الأدوات القانونية والمنصات الرقمية الحديثة.

كما تبرز أهمية توفير المساندة القانونية المجانية أو الميسرة للعائلات التي تواجه قضايا هدم أو إخلاء أو نزاعات ملكية، وتعزيز قدراتها على الاحتفاظ بالوثائق والسجلات والأدلة اللازمة للدفاع عن حقوقها.

ثانيًا: الدور العربي والإسلامي في دعم القدس

إنشاء صناديق تمويل مستدامة

لا ينبغي أن يظل الدعم العربي والإسلامي للقدس مقتصرًا على البيانات السياسية والمواقف الموسمية، بل يجب الانتقال إلى برامج تمويل مؤسسية ومستدامة.

ومن المقترحات إنشاء صناديق عربية وإسلامية رسمية وأهلية لدعم الإسكان والصحة والتعليم والتجارة والثقافة والفنون والتدريب المهني والإدارة والإعلام والتكنولوجيا الحديثة.

ويمكن لهذه الصناديق، إذا أُديرت بشفافية واستمرارية، أن تعزز قدرة المؤسسات المقدسية والعائلات على الصمود في مواجهة الأعباء المعيشية والاقتصادية.

تنشيط السياحة الدينية والتاريخية

تشكل السياحة الدينية والتاريخية أحد المجالات التي يمكن توظيفها لدعم الاقتصاد المقدسي، خصوصًا في البلدة القديمة والأسواق والمؤسسات التراثية.

ويقترح الكاتب تشجيع الزيارات المنظمة من الدول الإسلامية والمسيحية بالتنسيق مع المؤسسات الفلسطينية ذات الصلة، بما يدعم التجار وأصحاب المشروعات الصغيرة والمؤسسات المحلية، مع مراعاة الاعتبارات السياسية والقانونية الخاصة بالسفر إلى المدينة المحتلة.

تفعيل الوصاية الهاشمية والجهود الدبلوماسية

تبرز أهمية الوصاية الهاشمية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وما يرتبط بها من دور في حماية الوضع التاريخي والقانوني القائم.

كما تبرز ضرورة تفعيل العمل الدبلوماسي العربي والإسلامي في المؤسسات الدولية، واستخدام الأدوات السياسية والاقتصادية والقانونية المتاحة للدفاع عن الحقوق الفلسطينية وحماية المعالم التاريخية والدينية للمدينة.

ثالثًا: المطلوب دوليًا لحماية القدس ومساءلة الاحتلال

تفعيل أدوات القانون الدولي والمساءلة

يجب العمل على تفعيل آليات القانون الدولي المتعلقة بحماية المدنيين والممتلكات الثقافية ومنع التهجير القسري والانتهاكات المرتبطة بالاحتلال.

ويشمل ذلك الاستفادة من المؤسسات الدولية المعنية، ومنها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة واليونسكو والمحكمة الجنائية الدولية ضمن اختصاصاتها القانونية، لدعم المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.

مواجهة الاستيطان وتعزيز حملات المقاطعة

يدعو الكاتب إلى تعزيز الضغوط السياسية والاقتصادية والقانونية على الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويشمل ذلك دعم حملات المقاطعة المدنية السلمية، ومنها حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، ومتابعة أنشطة الشركات والمؤسسات التي تشارك في مشروعات استيطانية، في إطار القوانين المعمول بها ووسائل الاحتجاج المشروعة.

إرسال الوفود الحقوقية والدبلوماسية إلى المناطق المهددة

تبرز أهمية تنظيم زيارات للوفود الحقوقية والبرلمانية والإعلامية والدبلوماسية الدولية إلى القدس والمناطق الفلسطينية المهددة بالاستيطان والهدم والتهجير.

وتساعد هذه الزيارات في نقل صورة مباشرة عن أوضاع السكان وتوثيق الانتهاكات والظروف المعيشية، وتعزيز قدرة المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي على متابعة التطورات الميدانية.

الإعلام والمنصات الرقمية في حماية الرواية الفلسطينية

لم تعد معركة الوعي والذاكرة مقتصرة على الكتب والدراسات التاريخية التقليدية، بل امتدت إلى وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والأفلام الوثائقية والخرائط التفاعلية وأدوات الذكاء الاصطناعي.

ومن هنا تنبع أهمية تطوير محتوى فلسطيني وعربي موثق يقدم تاريخ القدس وتراثها وقضايا سكانها بلغات متعددة، ويتيح للباحثين والإعلاميين والجمهور العالمي الوصول إلى المعلومات والوثائق والشهادات بصورة منظمة.

كما ينبغي تعزيز التدريب على التوثيق الرقمي وحفظ السجلات والصور والخرائط والمقابلات الشفوية، مع إيلاء أهمية خاصة للدقة العلمية وحماية المصادر والمعلومات الشخصية.

إن الحفاظ على الرواية الفلسطينية يتطلب عملًا مؤسسيًا طويل الأمد، لا مجرد ردود فعل متقطعة على الأحداث السياسية والميدانية.

القدس وفلسطين بين محاولات الإلغاء وحق تقرير المصير

إن ما شهدته فلسطين منذ عام 2023، ولا سيما الحرب المدمرة في قطاع غزة وتصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية، يجعل الدفاع عن الوجود الفلسطيني والحقوق الوطنية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

وفي تقديري، فإن السياسات التي تستهدف الأرض والسكان والمعالم والرواية التاريخية تمثل أوجهًا مترابطة لمشروع سياسي يرمي إلى تقليص الحضور الفلسطيني وإضعاف فرص استقلاله الوطني.

لكن التاريخ والهوية والحقوق لا تُمحى بمجرد تغيير الأسماء أو المباني أو فرض الوقائع بالقوة؛ فاستمرار المجتمع الفلسطيني وذاكرته الثقافية ومؤسساته وارتباطه بأرضه يبقى ركيزة أساسية في الدفاع عن حقوقه.

وتبرز الحاجة إلى تطوير وسائل العمل السياسي والقانوني والثقافي والإعلامي السلمي، بما يعزز قدرة الفلسطينيين على إيصال روايتهم إلى العالم والدفاع عن حقهم في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.

خلاصة موقف الكاتب: حماية القدس لا تتحقق بالبيانات وحدها، وإنما تتطلب برنامجًا متكاملًا يبدأ بتثبيت الوجود الفلسطيني وحماية التعليم واللغة والملكية، ويمتد إلى التمويل العربي والإسلامي المستدام والتحرك القانوني والدبلوماسي والإعلامي الدولي.

خاتمة: حماية القدس مسؤولية وطنية وإنسانية

إن محاولات تغيير هوية القدس أو إلغاء حضورها الفلسطيني لن تستطيع أن تمحو الحقائق التاريخية والإنسانية المتصلة بالمدينة وشعبها، مهما بلغت الضغوط السياسية والعمرانية والثقافية.

وتبقى مواجهة هذه السياسات مسؤولية فلسطينية وعربية وإسلامية ومسيحية ودولية، تقوم على حماية الحقوق والهوية والتراث، ومساندة السكان، وتوظيف الأدوات القانونية والدبلوماسية والثقافية المتاحة.

فالقدس ليست مجرد قضية حدود وسيادة، بل قضية ذاكرة وحق وعدالة وحرية، تتصل بالمستقبل الذي يطمح إليه الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

إن الحق في الحرية وتقرير المصير لا تسقطه محاولات فرض واقع جديد، ولا يمكن للقوة أن تكون بديلًا دائمًا عن العدالة والحقوق المشروعة.

بكر أبو بكر

كاتب وأديب فلسطيني، عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح، ونائب مفوض التعبئة الفكرية، ورئيس أكاديمية عثمان أبو غربية.

تاريخ تحديث المادة: 14 أكتوبر 2026، استنادًا إلى نسخة أولى مؤرخة في 28 فبراير 2026.

للاطلاع على الإصدارات التثقيفية لأكاديمية عثمان أبو غربية: قناة الأكاديمية على تلغرام.

المقال يعبر عن آراء كاتبه وتحليلاته السياسية والتاريخية، ولا يمثل بالضرورة الموقف التحريري لموقع نداء الوطن.

أسئلة وأجوبة حول تهويد القدس وحماية الهوية الفلسطينية

ما المقصود بتهويد القدس في هذه الدراسة؟

يقصد الكاتب مجموعة السياسات التي يرى أنها تستهدف تغيير الطابع العربي الفلسطيني للمدينة، بما يشمل أسماء الأماكن والهوية الثقافية والتوزيع السكاني والعمران والتعليم والمؤسسات والأوضاع السياسية.

لماذا تعد القدس قضية دولية وليست فلسطينية فقط؟

لأن المدينة تتمتع بمكانة دينية وتاريخية لدى أتباع الديانات الإبراهيمية، ولأن وضعها القانوني والسياسي كان موضوعًا لقرارات أممية واتفاقيات ومباحثات دولية منذ عقود.

متى أُدرجت القدس على قائمة التراث العالمي؟

أُدرجت مدينة القدس القديمة وأسوارها على قائمة التراث العالمي عام 1981، وأُدرجت على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر عام 1982.

كيف تؤثر سياسات الإقامة والهدم والاستيطان في المقدسيين؟

قد تؤثر هذه السياسات في الاستقرار السكني والقدرة على البناء والمحافظة على الممتلكات، وتزيد الأعباء المالية والاجتماعية وصعوبات الوصول إلى الخدمات والأحياء الأخرى.

ما أبرز المقترحات الفلسطينية لحماية القدس؟

المحافظة على الأسماء العربية والهوية الثقافية، ودعم المدارس والمؤسسات المقدسية، وتوثيق ملكيات الأراضي والأوقاف، وتقديم المساندة القانونية للعائلات المتضررة.

ما الدور المطلوب من الدول العربية والإسلامية؟

يدعو الكاتب إلى إنشاء صناديق تمويل مستدامة لدعم القطاعات الحيوية، وتنشيط الاقتصاد المحلي عبر السياحة الدينية والتاريخية، وتفعيل الوصاية الهاشمية والجهود الدبلوماسية لحماية المقدسات والحقوق الفلسطينية.

كيف يمكن للمجتمع الدولي الإسهام في حماية القدس؟

من خلال تطبيق القانون الدولي، ومتابعة الانتهاكات، ودعم حماية التراث والممتلكات والحقوق المدنية، وتعزيز المساءلة والتوثيق وزيارات الوفود الحقوقية والبرلمانية إلى المناطق المهددة.

ما أهمية الإعلام الرقمي في حماية الرواية الفلسطينية؟

يساعد التوثيق الرقمي والخرائط والمحتوى متعدد اللغات والأفلام الوثائقية في حفظ الذاكرة الثقافية، وإتاحة المعلومات للباحثين والجمهور العالمي، وتوضيح أوضاع المدينة وسكانها استنادًا إلى مصادر موثوقة.