
نداء الوطن | مقالات وآراء
معضلة الصناديق في الانتخابات الإسرائيلية ومتاهة الاستعصاء السياسي
بقلم: نسمة مختار
كاتبة وصحفية فلسطينية | 28 أكتوبر 2026
جاءت انتخابات الكنيست السادس والعشرين لتضع المجتمع السياسي الإسرائيلي أمام مرآة انقساماته العميقة، في محطة اعتبرها كثيرون من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ السياسي الحديث في إسرائيل.
فهذه أول انتخابات عامة تُجرى منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلاها من زلازل عسكرية وإقليمية ممتدة.
ومع فرز الجزء الأكبر من الأصوات والاقتراب من إعلان النتائج الرسمية، تشير المعطيات الأولية إلى الحقيقة المألوفة ذاتها: توازنات حرجة، واستعصاء معقد، ومآل معلق بين معسكرين يعجزان، وفق نتائج الفرز الجزئية، عن بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بالأغلبية البرلمانية.
المشهد الانتخابي عند كتابة المقال
أظهرت النتائج الجزئية بعد فرز نحو 85.6% من الأصوات حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، ومعسكر آيزنكوت على 48 مقعدًا، والقوائم العربية على 19 مقعدًا. وهي نتائج أولية قابلة للتغيير مع استكمال الفرز.
1. الأمن والمساءلة: وقود المعركة الانتخابية
تمركزت الحملات الانتخابية حول ثنائية أمنية وجودية؛ فبينما حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تسويق نفسه مجددًا بوصفه «سيد الأمن» القادر على إدارة الصراعات متعددة الجبهات مع غزة وإيران ولبنان واليمن، بنى منافسوه، وعلى رأسهم رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار»، خطابهم على الإخفاقات الاستراتيجية التي قادت إلى أحداث أكتوبر.
وطالب خصوم نتنياهو بضرورة تشكيل لجان تحقيق رسمية وإحداث تغيير جذري في بنية القيادة السياسية.
ومع ذلك، يبدو أن الشارع الإسرائيلي لم يمنح تفويضًا مطلقًا لأي من الرؤيتين، مفضلًا توزيع أصواته بصورة تُبقي الجمود سيد الموقف.
2. الخريطة الحزبية: تآكل المراكز وصعود الهوامش
تُظهر القراءة الأولية لنتائج الاقتراع بقاء حزب «الليكود» أكبر قوة برلمانية منفردة، لكنه يقف عاجزًا، مع حلفائه التقليديين من اليمين القومي المتطرف والأحزاب الدينية «الحريديم»، عن تأمين الأغلبية الحكومية.
في المقابل، تحاول المعارضة بقيادة آيزنكوت، وبالتحالف مع قوى الوسط واليسار الصهيوني، تقديم نفسها بديلًا سياسيًا، دون أن تمتلك حتى الآن صيغة ائتلافية متماسكة وجاهزة للتطبيق.
أما المفاجأة الأبرز التي أعادت رسم تضاريس اللعبة السياسية، فتمثلت في الصعود اللافت للصوت العربي، حيث تشير النتائج الجزئية إلى إمكانية حصول الأحزاب والقوائم العربية على نحو 19 مقعدًا، في حال استقرار هذه الحصيلة بعد اكتمال الفرز.
هذا الصعود يضع المعسكرين الصهيونيين أمام مأزق بنيوي؛ فالمعارضة تجد نفسها مضطرة للاختيار بين تنسيق سياسي صعب مع القوائم العربية لإزاحة نتنياهو، أو الدخول في مساومات شاقة مع أطراف يمينية تضع خطوطًا حمراء صارمة تجاه أي تقارب مع التمثيل العربي.
المفارقة السياسية
قد يمنح صعود التمثيل العربي وزنًا برلمانيًا أكبر للقوائم العربية، لكنه لا يضمن بالضرورة ترجمة هذا الوزن إلى مشاركة في الحكم، في ظل المواقف المعلنة للأحزاب الصهيونية من التحالف معها.
3. الانقسامات الداخلية: ما وراء الصراع الحزبي
تتجاوز معضلة تشكيل الحكومة في إسرائيل الخلاف البرلماني التقليدي، لتلامس تصدعات اجتماعية ودستورية غائرة، من أبرزها:
أزمة التجنيد الإلزامي للحريديم
تحولت قضية التجنيد من نقاش قانوني إلى معركة سياسية تهدد استقرار التحالفات، حيث يصر الوسط العسكري والعلماني على إنهاء الإعفاءات التاريخية لليهود المتشددين، فيما تتمسك القوى الدينية بمواقفها التقليدية.
خطة التعديل القضائي
لا تزال خطة التعديل القضائي تثير مخاوف قطاعات واسعة من تقويض استقلالية المنظومة القضائية وهدم ركائز ما يُعرف بـ«الديمقراطية الإسرائيلية»، لتبقى إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين المعسكرات السياسية.
الملف الإقليمي
يشكل الموقف من طروحات الإدارة الأمريكية بشأن غزة والشرق الأوسط محورًا آخر للخلاف، وسط تباين واضح بين رغبة اليمين في تعزيز الاستيطان والسيطرة، ودعوات أطراف في المعارضة إلى ترتيبات أمنية دولية وإقليمية مغايرة.
4. السيناريوهات المستقبلية: في انتظار قرار هرتسوغ
تقترب إسرائيل من مرحلة «المساومات الكبرى» في الغرف المغلقة، مع انتظار استكمال فرز الأصوات وتبلور مواقف الأحزاب بشأن تشكيل الحكومة.
وسيكون الرئيس إسحاق هرتسوغ أمام مهمة معقدة لتقييم الشخصية الأقدر على تشكيل ائتلاف يحظى بثقة الكنيست.
وفي ظل المعطيات الراهنة، يمكن تصور أربعة مسارات محتملة:
السيناريو الأول: حكومة ائتلاف يمينية ضيقة
قد يسعى نتنياهو إلى تشكيلها عبر استقطاب أطراف أو نواب من خارج معسكره التقليدي، في محاولة لتجاوز نقص المقاعد اللازمة للأغلبية.
السيناريو الثاني: حكومة وحدة وطنية موسعة
قد تُطرح صيغة تجمع الليكود وحزب «يشار» بزعامة آيزنكوت، في محاولة لتجنب الشلل السياسي، رغم التباينات الحادة بين الطرفين.
السيناريو الثالث: حكومة أقلية للمعارضة
يمكن نظريًا بحث تشكيل حكومة تستند إلى دعم برلماني خارجي من بعض القوائم العربية، إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات سياسية كبيرة تتعلق بمواقف أحزاب المعارضة نفسها.
السيناريو الرابع: العودة إلى صناديق الاقتراع
إذا فشلت الأطراف كافة في التوصل إلى تسوية تسمح بتشكيل حكومة، فقد تتجه البلاد إلى انتخابات جديدة، مع استمرار الحكومة القائمة في أداء مهامها وفق الترتيبات القانونية المعمول بها.
هذه السيناريوهات قراءة تحليلية للكاتبة وليست قرارات سياسية معلنة أو نتائج محسومة للمفاوضات.
خاتمة: أزمة تتجاوز نتائج الصناديق
تكشف انتخابات الكنيست لعام 2026 أن «العقدة السياسية» الإسرائيلية هي انعكاس لأزمة هوية ومستقبل، في دولة تجد نفسها مجبرة على مراجعة مفاهيمها الأمنية والاجتماعية في بيئة إقليمية بالغة التعقيد.
ومهما كانت هوية رئيس الوزراء المقبل، فإن التحدي الأكبر لن يكون في كيفية إدارة الحكومة فحسب، بل في كيفية حكم مجتمع منقسم على نفسه إلى حد الاستعصاء.
نسمة مختار
كاتبة وصحفية فلسطينية
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتبة.
المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن