تحولات الهوية السياسية في الانتخابات الإسرائيلية

تحولات الهوية السياسية في الانتخابات الإسرائيلية

تحولات الهوية السياسية في الانتخابات الإسرائيلية

بقلم : مسعود التميمي

تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في توقيت بالغ التعقيد، حيث لم تعد العملية الانتخابية مجرد جولة تقليدية لتبادل السلطة، بل تحولت إلى استفتاء مصيري حول هوية الدولة وتوجهاتها الاستراتيجية للمرحلة المقبلة. في ظل واقع إقليمي ومحلي متوتر، تجد الخارطة السياسية الإسرائيلية نفسها أمام منعطفات غير مسبوقة تعيد تشكيل التحالفات الحزبية وتوازنات القوى بشكل جذري.

إعادة تموضع القوى: انحسار الوسط وصعود اليمين الاستيطاني

تُظهر القراءة الموضوعية للمشهد الحزبي تحولاً بنيوياً عميقاً نحو اليمين؛ فالتيارات التي كانت تُصنف تاريخياً كـ"وسط" أو "يسار صهيوني" باتت تكافح للحفاظ على حضورها الأدنى، بينما يترسخ نفوذ اليمين المحافظ واليمين المتطرف (القومي والديني). هذا الانزياح يعكس تبدلاً في الأولويات لدى الناخب الإسرائيلي، حيث تراجعت قضايا الرفاه الاجتماعي والملفات الاقتصادية لصالح هواجس الأمن القومي، والتعامل مع الملفات الإقليمية الساخنة، واستدامة الاستيطان.

الملفات الضاغطة: بين المأزق الأمني وتحديات الاقتصاد

تواجه الأحزاب المتنافسة حزمة من التحديات المركبة التي ستحدد سلوك الناخبين:

• المعادلة الأمنية: تظل القضية المحورية؛ إذ تسعى الائتلافات الحالية والمستقبلية لتقديم طروحات تضمن الردع العسكري الحاسم، وسط انقسام حول جدوى الحلول السياسية بعيدة المدى مقارنة بالاعتماد على القبضة الأمنية المستمرة.

• الشرخ الاجتماعي والسياسي: يتفاقم الانقسام الداخلي بين التيار العَلماني والتيار الديني المتزمت (الحريديم)، لا سيما حول قضايا الخدمة العسكرية الإلزامية وتقاسم الأعباء الاقتصادية، وهي نقاط خلافية كفيلة بإسقاط أي ائتلاف حكومي قادم.

• الضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية: يواجه الاقتصاد الإسرائيلي تداعيات ملموسة جراء كلفة المواجهات العسكرية الطويلة وعزلة سياسية متنامية في بعض المحافل الدولية، مما يجعل إدارة العلاقات الخارجية (خاصة مع الحليف الأمريكي والبيت الأبيض) بنداً رئيساً في البرامج الانتخابية للأحزاب.

سيناريوهات التشكيل: شبح الانسداد السياسي ومناورات الائتلاف

إن الخصوصية التي تتمتع بها الانتخابات الإسرائيلية تكمن في مرحلة "ما بعد الصناديق". فنظام التمثيل النسبي يجعل من شبه المستحيل فوز حزب واحد بأغلبية حاسمة (61 مقعداً في الكنيست)، مما يفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة. السيناريوهات المتوقعة تتأرجح بين:

1. حكومة يمين ضيقة ومشددة: تقودها القيادات التقليدية بالتحالف مع الأحزاب المتدينة والقومية المتطرفة، مما يعزز السياسات الاستيطانية ويزيد من حدة التوتر الإقليمي والمحلي.

2. ائتلاف وحدة وطنية عريض: يضم قوى من اليمين والوسط، يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الاستقرار وتجنب تكرار جولات الانتخابات المتتالية، لكنه سيظل مهدداً بالانهيار عند أي اختبار يتعلق بالملفات السيادية أو الدينية.

أصبحت الانتخابات الإسرائيلية مواجهة علنية بين رؤيتين لإسرائيل المستقبل: إما المضي قدماً نحو دولة دينية قومية محصنة بالخيار العسكري الصرف، أو البحث عن صيغة توازن مرنة تضمن الاستقرار الداخلي والقبول الإقليمي. وأياً كانت النتائج التي ستفرزها التحالفات ، فإن القيادة القادمة ستجد نفسها محاصرة بواقع داخلي وخارجي شديد الحساسية، لا يحتمل الكثير من المناورة الحزبية الضيقة.

بقلم: مسعود التميمي

المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن