
لم تكن الدورة الحالية لمهرجان العود بتطوان عادية في تفاصيلها ولا في أصدائها، فقد رافقتها منذ انطلاقتها ملاحظات وانتقادات تجاوزت حدود التنظيم لتطرح أسئلة أعمق حول هوية هذه التظاهرة، وطبيعة الاختيارات الفنية المعتمدة، ومستقبل رصيد ثقافي راكمته المدينة على امتداد سنوات.
فمنذ اليوم الافتتاحي، عاش مسرح إسبانيول على وقع ارتباك واضح في تدبير دخول الجمهور، بعدما وجد مئات المدعوين أنفسهم خارج القاعة رغم توفرهم على الدعوات، نتيجة توزيع عدد يفوق بكثير طاقتها الاستيعابية. ولم يقتصر الأمر على الاستياء من حرمان عدد من محبي الموسيقى من متابعة السهرة، بل إن التدافع الذي رافق محاولة الولوج أثار مخاوف حقيقية من وقوع حوادث كان من الممكن أن تكون عواقبها خطيرة.
وامتدت الملاحظات إلى الأجواء داخل القاعة، حيث اضطر الفنان اللبناني مارسيل خليفة إلى التنبيه أكثر من مرة إلى الضجيج الصادر عن الكواليس، معبرا عن انزعاجه من بعض السلوكيات وضعف التفاعل مع العرض. كما غابت السينوغرافيا التي كانت تشكل إحدى نقاط قوة المهرجان في دوراته السابقة، بفضل تصورات فنية وتقنية أضفت على العروض الموسيقية بعدا جماليا خاصا.
ولم تسلم الاختيارات الفنية بدورها من النقاش، سواء فيما يتعلق ببعض الفقرات أو طبيعة الفرق المشاركة، مقارنة بما اعتاده جمهور المهرجان من استضافة أسماء وتجارب موسيقية ذات حضور وازن. وحتى مشاركة مارسيل خليفة، الذي ظل من أبرز الأسماء التي استقطبت الاهتمام، لم تحقق، في نظر عدد من المتابعين، الأثر الفني نفسه الذي تركته مشاركته السابقة رفقة فرقة موسيقية متكاملة.
سميرة القادري.. من ملاحظة الاختلالات إلى مساءلة الذاكرة الثقافية
غير أن النقاش اتخذ منحى أكثر عمقا مع تدوينة الفنانة السوبرانو سميرة القادري، التي أعادت إلى الواجهة قضية تغييب جائزة زرياب للمهارات، التي يمنحها المجلس الوطني للموسيقى، الشريك الرسمي لليونسكو.
فقد أوضحت القادري أن الجائزة، التي دأب المهرجان على منحها منذ سنة 2013، كان مقررا أن تؤول هذه الدورة إلى الموسيقي السوري كنان العدناوي، غير أن ترتيبات استقباله وتسليمه الجائزة لم تتم، بدعوى ضعف الإمكانيات المالية، وفي ظل غياب التواصل والتنسيق المؤسساتي المطلوب مع المجلس.
وتكتسي هذه القضية أهمية تتجاوز عدم حضور فنان أو إلغاء فقرة ضمن البرنامج، لأن جائزة زرياب لم تكن مجرد درع تكريمي، بل شكلت على امتداد دورات المهرجان إحدى محطاته الفنية البارزة، وارتبطت بتكريم أسماء وتجارب موسيقية وازنة، من بينها مارسيل خليفة والراحل عبد الوهاب الدكالي. كما كان تقليدها يتجاوز الإعلان عن اسم الفائز، إلى استضافته وتقديم تجربته الفنية أمام الجمهور، بما يجعل التكريم مناسبة للاحتفاء بالإبداع والتعريف به.
واستحضرت سميرة القادري، في تدوينتها، تجربتها خلال الدورة الخامسة والعشرين سنة 2024، وما بذلته من جهود لفتح آفاق جديدة أمام المهرجان، وإقامة علاقات وشراكات ثقافية مع دول شقيقة، من بينها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. كما أشارت إلى واقعة عدم استقبال الوفد السعودي الذي تكبد عناء السفر إلى تطوان، وكان مقررا أن يتوج الفنان جوهر عبادي بجائزة زرياب، وهو ما خلف، بحسب روايتها، آثارا سلبية على صورة الجائزة والعلاقات الثقافية بين المؤسسات المعنية.
ولم تخل تدوينتها من الإشارة إلى تكرار مواقف مشابهة في دورات سابقة، مؤكدة أن احترام الشركاء والتواصل معهم ليس أمرا ثانويا، بل شرط أساسي لاستمرار الثقة والتعاون المؤسساتي.
تفاعل ثقافي يعيد طرح سؤال الاعتراف بالكفاءات
وقد حظيت تدوينة القادري بتفاعل واسع من طرف عدد من المثقفين والفنانين والفاعلين المحليين، الذين رأوا فيها مناسبة لإعادة النقاش حول طريقة تدبير الشأن الثقافي بالمدينة.
فقد اعتبر الفاعل المسرحي والنقابي محمد العاقل أن ما طرحته القادري يتجاوز تجربتها الشخصية، ليمس الذاكرة الثقافية وأخلاقيات التدبير المؤسساتي وثقافة الاعتراف. كما نبه إلى مظاهر القطيعة مع التراكمات السابقة، وإلى تراجع إشراك المثقفين والفنانين والمهنيين في النقاش حول التوجهات والقرارات الثقافية.
ومن جانبه، أثار المخرج أحمد سعيد القادري مسألة التعامل مع الأشخاص الذين أفنوا سنوات من حياتهم في خدمة المشاريع الفنية والثقافية، معتبرا أن صون الذاكرة الجماعية والاعتراف بمجهودات المساهمين في بناء المهرجان ينبغي أن يشكلا جزءا من ثقافة تدبيره، لا مجرد مجاملة عابرة.
كما انضمت أصوات أخرى إلى هذا النقاش، من بينها المخرج نبيل مشبال والشاعرة حليمة المرابط، في تعبير عن أهمية الاعتراف بالكفاءات والتجارب الفنية، وعدم تهميش الفاعلين المحليين الذين ساهموا في بناء المشهد الثقافي التطواني.
التدبير الإداري أم الرؤية الفنية؟
ومن بين الأسئلة التي تستحق التوقف عندها طبيعة التحول الذي عرفته طريقة الإشراف على المهرجان، بعد انتقال المسؤولية من طاقم فني راكم تجربة طويلة في تنظيم هذه التظاهرة إلى موظفين إداريين بقطاع الثقافة بتطوان.
ولا يتعلق الأمر بالتقليل من أهمية العمل الإداري، فهو عنصر أساسي في إنجاح أي تظاهرة، وإنما بالتأكيد على أن مهرجانا متخصصا في الموسيقى يحتاج، إلى جانب التدبير الإداري، إلى رؤية فنية واضحة وكفاءات متخصصة قادرة على اختيار الفنانين، وإعداد العروض، والإشراف على التفاصيل التقنية والجمالية، والحفاظ على هوية المهرجان.
لقد كانت لتطوان تجربة راكمتها في هذا المجال، من خلال أسماء فنية وتقنية ساهمت في إعطاء المهرجان شخصيته الخاصة، وكان من الممكن الاستفادة من هذا الرصيد وتطويره بدل القطيعة معه. فالتغيير في المسؤوليات لا ينبغي أن يعني إهدار الخبرة المتراكمة أو تغييب الكفاءات التي صنعت جزءا من نجاح التظاهرة.
كما أن المفارقة بين الحديث عن ضعف الإمكانيات المالية لتكريم الفائز بجائزة زرياب، وما أثير من تساؤلات بشأن كلفة بعض المشاركات الفنية، تفرض تقديم توضيحات حول ترتيب الأولويات والاختيارات المالية، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو المعلومات غير المؤكدة.
إن مهرجان العود ليس مجرد سهرات موسيقية عابرة، بل هو جزء من الذاكرة الثقافية لتطوان، ومن صورتها كمدينة للفن والإبداع والانفتاح. ولذلك فإن الحفاظ عليه يقتضي أكثر من تنظيم برنامج سنوي؛ إنه يستدعي رؤية متكاملة تقوم على التخصص، والتشاور، واحترام الشركاء، والإنصات للجمهور، وتثمين الكفاءات المحلية.
لقد أعادت سميرة القادري، من خلال موقفها، فتح ملف يتجاوز جائزة زرياب في حد ذاتها، ليضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن لمدينة أن تحافظ على إشعاعها الثقافي إذا لم تحافظ على ذاكرتها، ولم تنصف الذين ساهموا في بنائها؟
إنها أسئلة تستحق جوابا مسؤولا من الجهات المنظمة، لأن قيمة المهرجانات لا تقاس فقط بعدد السهرات أو أسماء الفنانين المشاركين، بل أيضا بما تتركه من أثر فني ومؤسساتي، وبقدرتها على صيانة التراكمات الثقافية وضمان استمراريتها.