حماس واليمين الإسرائيلي.. كيف تحولت المواجهة إلى مكاسب انتخابية وخسائر سياسية للفلسطينيين؟

حماس واليمين الإسرائيلي.. كيف تحولت المواجهة إلى مكاسب انتخابية وخسائر سياسية للفلسطينيين؟

من جذور الحركة وانتخابات 1996 إلى الانقسام الفلسطيني وسياسات نتنياهو و7 أكتوبر.. تحقيق في العلاقة المتناقضة بين خصمين ساهم صراعهما في إعادة تشكيل المشهد السياسي.

نداء الوطن – تحقيق سياسي: على امتداد ما يقارب أربعة عقود، خاضت حركة حماس وإسرائيل مواجهات عسكرية وأمنية دامية، رفعت خلالها الحركة شعار مقاومة الاحتلال وتحرير الأرض، فيما قدم اليمين الإسرائيلي نفسه باعتباره القوة الأقدر على حماية الإسرائيليين ومنع قيام دولة فلسطينية تهدد أمنهم، وفق خطابه السياسي. لكن مراجعة المحطات التاريخية والانتخابية تفتح سؤالًا شديد الحساسية: هل ساهمت بعض عمليات حماس، رغم عدائها المعلن لإسرائيل، في تعزيز اليمين الإسرائيلي وإضعاف فرص التسوية السياسية التي تقول الحركة إنها تسعى إلى انتزاع الحقوق الفلسطينية من خلالها أو من خلال بديل عنها؟

لا يقوم هذا التحقيق على فرضية وجود تحالف سري بين حماس واليمين الإسرائيلي، ولا يفترض أن الحركة نفذت عملياتها بهدف إيصال بنيامين نتنياهو أو غيره إلى السلطة. إنما يبحث في مفارقة أكثر تعقيدًا: كيف يمكن لخصمين متحاربين أن يتبادلا، من حيث النتائج السياسية لا النوايا بالضرورة، أسباب البقاء والقوة؟

ومن التسامح الإسرائيلي المبكر مع مؤسسات إسلامية في غزة، مرورًا بتفجيرات عام 1996 التي سبقت صعود نتنياهو الأول، وصولًا إلى الانقسام الفلسطيني وسياسات التمويل القطري وأحداث السابع من أكتوبر 2023، تظهر سلسلة من الوقائع التي تستحق الربط والتحليل، دون اختزال تاريخ القضية الفلسطينية في قرارات حركة واحدة أو إعفاء الاحتلال الإسرائيلي من مسؤولياته.

خلاصة التحقيق في خمس نقاط

  • تسامحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في مرحلة مبكرة، مع نشاط مؤسسات إسلامية في غزة باعتبارها ثقلًا مضادًا للتيار الوطني الفلسطيني الذي قادته منظمة التحرير.
  • أظهرت دراسات أكاديمية أن الهجمات المسلحة ضد الإسرائيليين قد ترفع التأييد الانتخابي للأحزاب اليمينية، خصوصًا قرب موعد الاقتراع.
  • شكّلت تفجيرات عام 1996 إحدى المحطات التي أضعفت المناخ المؤيد لمسار أوسلو، قبل فوز نتنياهو على شمعون بيريز.
  • أدى الانقسام بين غزة والضفة الغربية إلى إضعاف التمثيل السياسي الفلسطيني الموحد، واستُخدم لاحقًا في الخطاب الإسرائيلي المعارض للدولة الفلسطينية.
  • كشفت سياسات السماح بالتمويل القطري لغزة عن مفارقة إضافية: حكومات إسرائيلية حاربت حماس عسكريًا، لكنها قبلت ترتيبات ساعدت على استمرار حكمها في القطاع.

أولًا: قبل تأسيس حماس.. كيف رأت إسرائيل الإسلاميين في غزة؟

لفهم العلاقة المعقدة بين حماس واليمين الإسرائيلي، لا بد من العودة إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح تمثلان الخصم السياسي والأمني الأبرز للاحتلال الإسرائيلي.

في تلك المرحلة، توسعت في قطاع غزة مؤسسات دينية واجتماعية مرتبطة بالتيار الإسلامي الذي نشأت في أوساطه لاحقًا حركة حماس. وكان من أبرزها المجمع الإسلامي الذي ارتبط باسم الشيخ أحمد ياسين.

وتشير دراسات تاريخية وتقارير بحثية، بينها تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، إلى أن السلطات الإسرائيلية تسامحت مع نشاط هذه المؤسسات، وقدمت في بعض المراحل تسهيلات أو دعمًا محدودًا، انطلاقًا من تصور أن صعود الإسلاميين قد يضعف نفوذ القوى الوطنية العلمانية وفي مقدمتها فتح.

لكن الدقة التاريخية تقتضي التمييز بين أمرين: السماح بنشاط مؤسسات سبقت حماس أو دعم بعضها، وبين الادعاء بأن إسرائيل أنشأت الحركة المسلحة نفسها أو كانت تتحكم في قراراتها. فحماس تأسست في سياق الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، وتطورت إلى تنظيم سياسي وعسكري مستقل له قيادته وأهدافه وأيديولوجيته.

ومع ذلك، تكشف هذه المرحلة مفارقة تأسيسية: سياسة إسرائيلية سعت إلى إضعاف خصم فلسطيني قائم، لكنها ساهمت في توفير مساحة لنمو تيار أصبح لاحقًا خصمًا عسكريًا أكثر تعقيدًا.

ثانيًا: أوسلو وحماس.. عندما أصبح إفشال التسوية هدفًا مشتركًا من اتجاهين متعارضين

مع توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، دخل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرحلة جديدة. فقد راهنت قيادة منظمة التحرير على مسار تفاوضي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، بينما رفضت حماس الاتفاق واعتبرته تنازلًا عن حقوق فلسطينية أساسية.

وفي الجانب الإسرائيلي، عارضت قوى يمينية الاتفاق لأسباب مختلفة، منها رفض الانسحاب من الأراضي المحتلة، ومعارضة إقامة دولة فلسطينية، والاعتراض على التنازلات الإقليمية والأمنية.

وهنا ظهرت مفارقة سياسية لافتة: حماس واليمين الإسرائيلي المتشدد عارضا أوسلو، لكن كلًا منهما انطلق من مشروع سياسي مناقض لمشروع الآخر.

حماس رأت أن التسوية لا تحقق التحرير، بينما رأى معارضون إسرائيليون أنها تمنح الفلسطينيين مكاسب سياسية وإقليمية غير مقبولة. ولم يكن رفض الطرفين دليلًا على تنسيق بينهما، لكنه جعل إضعاف الاتفاق نتيجة يمكن أن تخدم هدفين متعارضين.

وفي هذه البيئة، لم تعد العمليات المسلحة مجرد أحداث أمنية، بل أصبحت عوامل تؤثر في ثقة الإسرائيليين بالتفاوض، وفي قدرة الحكومات الإسرائيلية المؤيدة للتسوية على إقناع جمهورها بجدوى المسار السياسي.

ثالثًا: انتخابات 1996.. المحطة التي يصعب تجاوزها

تُعد الانتخابات الإسرائيلية عام 1996 من أهم الحالات التاريخية لدراسة العلاقة بين هجمات حماس وصعود اليمين الإسرائيلي.

بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1995 على يد متطرف إسرائيلي معارض لأوسلو، تولى شمعون بيريز رئاسة الحكومة، ودخل السباق الانتخابي في مواجهة بنيامين نتنياهو.

وفي فبراير ومارس 1996، شهدت إسرائيل سلسلة تفجيرات انتحارية نفذتها حماس، استهدفت حافلات وأماكن مدنية، وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص.

أحدثت الهجمات صدمة أمنية وسياسية واسعة، وأضعفت قدرة بيريز على الدفاع عن مسار أوسلو أمام ناخبين باتوا أكثر قلقًا من استمرار العمليات المسلحة.

وفي مايو من العام نفسه، فاز نتنياهو على بيريز بفارق انتخابي ضئيل، في نتيجة مثّلت تحولًا سياسيًا مهمًا في مسار التسوية.

هل أوصلت حماس نتنياهو إلى الحكم عام 1996؟

لا يمكن الجزم بأن التفجيرات كانت السبب الوحيد في فوزه؛ فقد تداخلت معها عوامل انتخابية وسياسية أخرى، بينها اغتيال رابين، والجدل حول أوسلو، والأوضاع الأمنية، وأداء الحملات الانتخابية. لكن الأبحاث التاريخية والسياسية تعتبر تلك الهجمات عاملًا مهمًا في تراجع الثقة بمسار السلام وتعزيز فرص المعارضة اليمينية.

وتكمن أهمية هذه المحطة في أن نتائج العمليات لم تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل امتدت إلى موازين القوى السياسية داخل إسرائيل، حيث استفاد خطاب التشدد الأمني من تراجع الثقة بإمكان تحقيق السلام.

رابعًا: ماذا تقول الدراسات العلمية عن العلاقة بين الهجمات والتصويت لليمين؟

لا يستند الربط بين الهجمات المسلحة وصعود اليمين الإسرائيلي إلى الانطباعات السياسية وحدها؛ فقد تناولته دراسات أكاديمية حاولت قياس أثر الهجمات على سلوك الناخب الإسرائيلي.

في دراسة نشرها الباحثان كلود بريبي وإستيبان كلور في دورية «American Political Science Review» عام 2008، وجد الباحثان أن وقوع هجوم في بلدة إسرائيلية خلال الأشهر الثلاثة السابقة للانتخابات أدى، في المتوسط، إلى زيادة حصة الكتلة اليمينية من أصوات الكتلتين الرئيسيتين بنحو 1.35 نقطة مئوية في تلك البلدة.

وتكتسب هذه النتيجة أهميتها في نظام انتخابي قد تُحسم فيه المنافسة بفوارق ضئيلة، لكن من الضروري التأكيد أن الدراسة تناولت الهجمات عمومًا، ولم تنسب التأثير كله إلى حماس وحدها.

كما أن الأثر لم يكن متماثلًا في جميع المناطق؛ فقد وجدت الدراسة اختلافات بين أثر الهجمات المحلية والهجمات الواقعة خارج البلدة، وبين المناطق ذات الميول السياسية المختلفة.

وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2006 في دورية «Journal of Conflict Resolution»، توصل الباحثان نفسيهما إلى وجود ارتباط بين ارتفاع مستويات الهجمات وتزايد التأييد النسبي لليمين الإسرائيلي، مقابل تراجعه في فترات الهدوء النسبي.

الخلاصة البحثية: هناك أدلة كمية على أن العنف السياسي قد يعزز التصويت لليمين في ظروف محددة، لكن تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة مطلقة لكل هجوم أو كل انتخابات سيكون استنتاجًا غير علمي.

خامسًا: لماذا قد يستفيد اليمين الإسرائيلي من التصعيد؟

يمكن تفسير هذه العلاقة من خلال آلية سياسية متكررة، لا تحتاج إلى وجود اتفاق بين الخصوم.

  1. وقوع هجوم: تتصاعد المخاوف الأمنية لدى قطاعات من المجتمع الإسرائيلي.
  2. تراجع الثقة بالتفاوض: يصبح من الأسهل على معارضي التسوية القول إن الانسحاب أو التنازلات لا يحققان الأمن.
  3. تعزيز الخطاب المتشدد: تستفيد أحزاب تقدم القوة العسكرية والردع بوصفهما البديل عن الحل السياسي.
  4. إضعاف القوى المعتدلة: تواجه الجهات الفلسطينية والإسرائيلية المؤيدة للتفاوض صعوبة أكبر في الدفاع عن جدوى التسوية.
  5. استمرار المواجهة: قد يؤدي تعثر الحل السياسي إلى تعزيز الأطراف التي ترى أن الصراع لا يُحسم بالمفاوضات.

هذه ليست سلسلة حتمية، لكنها تفسر كيف يمكن للعنف أن يعيد تشكيل أولويات الناخبين، خصوصًا عندما يتحول الأمن إلى القضية المركزية في الانتخابات.

وفي المقابل، قد يؤدي التصعيد أحيانًا إلى معاقبة الحكومة القائمة إذا اعتبر الناخبون أنها فشلت في توفير الأمن، وهو ما يجعل العلاقة بين العمليات المسلحة والمكاسب الانتخابية أكثر تعقيدًا من مجرد معادلة ثابتة.

سادسًا: انتخابات 2006.. من المعارضة إلى السلطة

شكّلت الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 نقطة تحول أخرى في تاريخ الحركة، بعدما فازت حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني، في انتخابات شاركت فيها تحت شعار «التغيير والإصلاح».

كان الفوز نتيجة عوامل متعددة، بينها السخط الشعبي على الفساد وضعف أداء السلطة الفلسطينية، وقوة التنظيم الاجتماعي للحركة، وتراجع الثقة بقدرة المسار التفاوضي على إنهاء الاحتلال.

لكن هذا الانتصار فتح مرحلة جديدة من الصراع الداخلي والخارجي، شملت العقوبات والضغوط الدولية والخلافات حول تشكيل الحكومة والأجهزة الأمنية والعلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي عام 2007، انتهت المواجهات المسلحة بين حماس وفتح بسيطرة حماس على قطاع غزة، مقابل استمرار السلطة الفلسطينية بقيادة فتح في الضفة الغربية.

وهكذا نشأ انقسام سياسي ومؤسساتي طويل الأمد بين منطقتين يفترض أن تشكلا أساس الدولة الفلسطينية المنشودة.

سابعًا: الانقسام الفلسطيني.. النتيجة التي استفاد منها معارضو الدولة الفلسطينية

منذ الانقسام عام 2007، أصبح غياب القيادة الفلسطينية الموحدة أحد أبرز التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.

فبينما تدير السلطة الفلسطينية شؤونًا في أجزاء من الضفة الغربية، فرضت حماس سلطتها على قطاع غزة، وسط استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته على جوانب أساسية من الحركة والحدود والموارد، مع تفاوت طبيعة السيطرة على الأرض بين المنطقتين.

وقد استخدم سياسيون إسرائيليون هذا الانقسام لتبرير التشكيك في إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي مع طرف فلسطيني قادر على تنفيذه في غزة والضفة معًا.

ومن هنا نشأت مصلحة سياسية واضحة لدى بعض معارضي الدولة الفلسطينية في استمرار غياب الوحدة الفلسطينية، حتى لو ظلوا يعارضون حماس عسكريًا وأيديولوجيًا.

لكن تحميل حماس وحدها مسؤولية استمرار الانقسام سيكون تبسيطًا مخلًا؛ فقد ساهمت فيه قرارات وممارسات من طرفي الصراع الفلسطيني، وضغوط إقليمية ودولية، وسياسات إسرائيلية، وفشل محاولات المصالحة المتعاقبة.

ومع ذلك، فإن النتيجة السياسية كانت ملموسة: تراجع قدرة الفلسطينيين على تقديم مشروع حكم موحد، في وقت استُخدم فيه هذا التراجع حجة ضد إقامة دولتهم.

ثامنًا: نتنياهو والأموال القطرية.. لماذا سُمِح باستمرار التمويل إلى غزة؟

تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة للجدل في سياسة الحكومات الإسرائيلية تجاه التحويلات المالية القطرية إلى قطاع غزة خلال سنوات حكم بنيامين نتنياهو.

فقد سمحت إسرائيل، عبر ترتيبات معلنة، بدخول أموال قطرية إلى القطاع، خُصصت أجزاء منها لدعم الأسر المحتاجة ورواتب الموظفين واحتياجات مدنية أخرى، في ظل الأزمة الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

لكن منتقدي هذه السياسة داخل إسرائيل وخارجها اعتبروا أنها ساهمت في تثبيت حكم حماس، حتى إن لم تكن جميع الأموال مخصصة مباشرة لأنشطتها العسكرية.

وفي مارس 2019، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن اجتماع لكتلة الليكود تصريحًا منسوبًا إلى نتنياهو يربط بين السماح بتحويل الأموال إلى غزة والحفاظ على الفصل السياسي بين حماس والسلطة الفلسطينية، بما يضعف فرص قيام دولة فلسطينية موحدة.

ويكتسب هذا التصريح المنسوب إليه أهمية خاصة لأنه يعكس، إذا صحت روايته، تصورًا سياسيًا يرى في استمرار الانقسام الفلسطيني أداة تخدم معارضة إقامة الدولة الفلسطينية.

غير أن نتنياهو نفى لاحقًا أنه سعى إلى تقوية حماس، وقال إن حكوماته سمحت بالتحويلات لتجنب انهيار إنساني في غزة، وإنها نفذت في الوقت نفسه عمليات عسكرية ضد الحركة بهدف إضعاف قدراتها.

ماذا تثبت قضية الأموال القطرية؟

المثبت: إسرائيل سمحت بمرور تمويل قطري إلى غزة ضمن ترتيبات سياسية وأمنية معلنة.

محل الخلاف: هل كان الهدف الأساسي منع الانهيار الإنساني وشراء الهدوء، أم الحفاظ على الانقسام الفلسطيني، أم مزيجًا من الاعتبارات؟

غير المثبت: أن جميع الأموال ذهبت لتمويل عمليات عسكرية، أو أن وجود هذه الترتيبات يثبت تحالفًا سريًا بين نتنياهو وحماس.

والسؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت إسرائيل تعتبر حماس صديقًا؛ فالوقائع العسكرية تنفي ذلك. بل كيف يمكن لحكومة أن تخوض حروبًا ضد تنظيم مسلح، ثم تقبل في فترات الهدوء ترتيبات تساعد على استمرار سلطته المدنية والسياسية.

تاسعًا: هل احتاج نتنياهو إلى بقاء حماس؟

يمكن قراءة سياسة نتنياهو تجاه غزة من خلال التمييز بين هدفين مختلفين: منع حماس من تهديد الأمن الإسرائيلي بصورة واسعة، ومنع ظهور سلطة فلسطينية موحدة قادرة على المطالبة بدولة مستقلة ضمن مسار تفاوضي متكامل.

ومن منظور منتقدي هذه السياسة، كان إبقاء غزة والضفة تحت إدارتين فلسطينيتين منفصلتين يوفر ذريعة سياسية لتأجيل التفاوض على الدولة الفلسطينية، بينما يتيح لإسرائيل التعامل مع كل منطقة وفق ترتيبات مختلفة.

لكن هذا التفسير يظل موضع جدل؛ إذ يؤكد نتنياهو أن سياساته استهدفت إضعاف حماس ومنع الأزمات الإنسانية، وليس تقويتها.

ومهما كان تفسير النوايا، فقد استمر الانقسام الفلسطيني لسنوات طويلة، ولم تنجح الجولات المتكررة من التهدئة والحروب في إنتاج تسوية سياسية شاملة.

عاشرًا: 7 أكتوبر.. الحدث الذي قلب المعادلة وأظهر حدودها

في السابع من أكتوبر 2023، شنت حماس وفصائل فلسطينية أخرى هجومًا واسعًا على جنوب إسرائيل، قُتل خلاله مدنيون وعسكريون إسرائيليون، واحتُجز رهائن نُقلوا إلى قطاع غزة.

وأعقب الهجوم حرب إسرائيلية مدمرة على غزة، تسببت في خسائر بشرية هائلة ودمار واسع ونزوح جماعي وأزمة إنسانية غير مسبوقة في القطاع.

ومن الناحية السياسية، منح الهجوم القوى الإسرائيلية الداعية إلى التشدد العسكري مساحة واسعة لتقديم الأمن باعتباره أولوية تتقدم على التسوية، لكنه في الوقت نفسه كشف إخفاقًا أمنيًا واستخباراتيًا كبيرًا في عهد نتنياهو.

وهنا تتعقد الفرضية الأساسية للتحقيق: فالتصعيد قد يعزز الخطاب اليميني بصورة عامة، لكنه قد يضعف الزعيم الذي كان يحكم عند وقوعه إذا حمّله الناخبون مسؤولية الإخفاق.

وبالتالي، لا يمكن القول إن هجوم 7 أكتوبر شكّل مكسبًا انتخابيًا مباشرًا لنتنياهو، ولا يمكن اختزال تداعياته السياسية في تعزيز اليمين وحده، خصوصًا مع اتساع الجدل الإسرائيلي بشأن المسؤولية عن الإخفاق وإدارة الحرب ومصير الرهائن.

أما على المستوى الفلسطيني، فإن تقييم نتائج الهجوم لا يمكن أن يتجاهل الكلفة البشرية الهائلة للحرب، ولا حجم الدمار الذي أصاب البنية المدنية والاقتصادية والمؤسساتية في غزة، مع بقاء المسؤولية عن الأفعال العسكرية الإسرائيلية وانتهاكات القانون الدولي على عاتق مرتكبيها.

الحصيلة التاريخية: من ربح سياسيًا ومن دفع الثمن؟

المحطة التطور الرئيسي النتيجة السياسية المحتملة أو الموثقة
السبعينيات والثمانينيات التسامح الإسرائيلي مع مؤسسات إسلامية في غزة توسيع مساحة تيار منافس لمنظمة التحرير
1993–1996 رفض أوسلو والتفجيرات خلال مرحلة التسوية إضعاف الثقة بالتفاوض والمساهمة في مناخ صعود اليمين
2006–2007 فوز حماس ثم الانقسام الفلسطيني تراجع وحدة القرار والتمثيل السياسي الفلسطيني
2018–2023 التحويلات القطرية واستمرار حكم حماس في غزة جدل حول مساهمة السياسة الإسرائيلية في تكريس الانقسام
منذ أكتوبر 2023 الهجوم الواسع والحرب على غزة تعزيز مركزية الأمن مع أزمة مسؤولية سياسية وخسائر فلسطينية جسيمة

تكشف المقارنة أن العلاقة بين المواجهة المسلحة والمكاسب السياسية ليست خطية أو مضمونة، لكنها تتكرر في محطات تاريخية بدرجات مختلفة.

كما تظهر أن الفلسطينيين لم يدفعوا ثمن قرارات حماس وحدها، بل دفعوا أيضًا ثمن الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب الإسرائيلية والانقسام الداخلي وتعثر الدبلوماسية الدولية.

هل استفادت حماس أيضًا من صعود اليمين الإسرائيلي؟

تكتمل الصورة عند طرح السؤال المعاكس: هل ساهمت سياسات اليمين الإسرائيلي في تعزيز الخطاب الذي تتبناه حماس؟

عندما يتوسع الاستيطان وتتراجع فرص التفاوض، تستطيع الحركة الاستشهاد بهذه الوقائع للدفاع عن موقفها القائل إن المسار السياسي لم يحقق الحقوق الفلسطينية.

كما أن العمليات العسكرية الإسرائيلية وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين الفلسطينيين قد يعززان مشاعر الغضب وفقدان الثقة بالحلول السلمية لدى قطاعات من المجتمع الفلسطيني.

لكن هذا لا يعني أن التأييد الشعبي لحماس يرتفع تلقائيًا بعد كل مواجهة؛ فالمواقف الفلسطينية تتأثر أيضًا بكلفة الحرب والأوضاع الإنسانية وأداء الحكم والانقسام الداخلي وتقييم الناس للخيارات المتاحة.

وهكذا يمكن أن تنشأ علاقة تعزيز متبادل بين خطابين متخاصمين: خطاب يقول إن الطرف الآخر لا يفهم إلا القوة، وخطاب مقابل يستخدم استمرار الصراع لإثبات أن التسوية غير مجدية.

الفرق بين النوايا والنتائج.. لماذا لا تعني المنفعة وجود تحالف؟

من الأخطاء الشائعة في قراءة الصراعات السياسية الانتقال من إثبات استفادة طرف من حدث إلى الادعاء بأنه خطط له أو تعاون مع منفذيه.

فاستفادة حزب إسرائيلي من تراجع الثقة بالتسوية بعد هجوم مسلح لا تثبت أنه طلب تنفيذ الهجوم أو كان على علم به مسبقًا.

وبالمثل، فإن استفادة حماس سياسيًا من تعثر المفاوضات أو استمرار الاحتلال لا تعني أن كل سياسات اليمين الإسرائيلي صُممت بالتنسيق معها.

التحليل الأكثر دقة يميز بين ثلاثة مستويات:

  • النية: ما الذي أعلن الطرف أنه يسعى إلى تحقيقه؟
  • الفعل: ما القرارات أو العمليات التي اتخذها فعلًا؟
  • النتيجة: من الذي استفاد سياسيًا أو عسكريًا، ومن الذي تحمل الخسائر؟

ولا تتطابق هذه المستويات بالضرورة، وهو ما يجعل دراسة النتائج الفعلية ضرورية لتقييم أي استراتيجية سياسية أو عسكرية.

السؤال الأصعب: كيف نقيس ما حققته حماس للقضية الفلسطينية؟

تؤكد حماس أن المقاومة المسلحة وسيلة لمواجهة الاحتلال وانتزاع الحقوق، ويستند أنصارها إلى استمرار الاحتلال وفشل جولات التفاوض لتبرير هذا الخيار.

في المقابل، يرى منتقدو استراتيجيتها أن العمليات التي تستهدف المدنيين ألحقت أضرارًا سياسية وأخلاقية بالقضية الفلسطينية، وساهمت في تقوية الخطاب الإسرائيلي المتشدد، فيما كانت كلفة المواجهات على السكان الفلسطينيين هائلة.

ولا يمكن حسم هذا الجدل بعدد العمليات المنفذة أو حجم الخسائر التي لحقت بإسرائيل وحدهما. فالتقييم الاستراتيجي يحتاج إلى معايير أوسع: هل توسعت السيطرة الفلسطينية على الأرض؟ هل اقترب قيام دولة مستقلة؟ هل تحسنت قدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم؟ وهل حافظت الخيارات المتبعة على حياة المدنيين ومؤسسات المجتمع وإمكانات إعادة البناء؟

كما يجب ألا تتحول مساءلة حماس إلى إعفاء إسرائيل من مسؤولية الاحتلال والاستيطان والحصار أو من التزاماتها تجاه المدنيين بموجب القانون الدولي، ولا إلى افتراض أن قيام الدولة الفلسطينية كان مضمونًا لو اتبعت الحركة مسارًا آخر.

فالاحتلال ورفض بعض الحكومات الإسرائيلية للتنازلات الجوهرية سبقا تأسيس حماس، واستمرت سياسات الاستيطان والتوسع خلال مراحل تفاوض وتهدئة مختلفة.

أسئلة شائعة حول علاقة حماس باليمين الإسرائيلي

هل أسست إسرائيل حركة حماس؟

لا توجد أدلة كافية للقول إن إسرائيل أنشأت الحركة المسلحة مباشرة. لكن مصادر تاريخية موثوقة تشير إلى أن السلطات الإسرائيلية تسامحت مع نشاط مؤسسات إسلامية سبقت تأسيس حماس، ورأت فيها منافسًا محتملًا لمنظمة التحرير الفلسطينية.

هل ساعدت عمليات حماس على فوز نتنياهو عام 1996؟

تعتبر أبحاث تاريخية وسياسية أن تفجيرات عام 1996 ساهمت في تراجع الثقة بالتسوية وأثرت في المناخ الانتخابي، لكن لا يمكن اعتبارها السبب الوحيد لفوز نتنياهو.

هل تثبت الدراسات أن الهجمات تعزز اليمين الإسرائيلي؟

وجدت دراسات أكاديمية أثرًا انتخابيًا لصالح اليمين في ظروف محددة، بينها وقوع هجمات قرب موعد الانتخابات، لكن النتائج تختلف بحسب المكان والتوقيت والظروف السياسية.

لماذا سمحت إسرائيل بدخول الأموال القطرية إلى غزة؟

قالت الحكومات الإسرائيلية إن الترتيبات هدفت إلى منع الانهيار الإنساني والحفاظ على الهدوء، بينما اعتبر منتقدون أنها ساعدت على استمرار حكم حماس وتعميق الفصل السياسي بين غزة والضفة.

هل توجد أدلة على تحالف سري بين حماس ونتنياهو؟

لا يثبت السجل التاريخي المعروض في هذا التحقيق وجود تحالف سري أو تنسيق لتنفيذ الهجمات. ما يمكن دراسته وتوثيقه هو السياسات المعلنة والقرارات والنتائج السياسية التي استفاد منها كل طرف في مراحل مختلفة.

هل كان هجوم 7 أكتوبر مكسبًا انتخابيًا لنتنياهو؟

لا يمكن الجزم بذلك؛ فقد عزز الهجوم مركزية الأمن في السياسة الإسرائيلية، لكنه كشف أيضًا إخفاقًا أمنيًا كبيرًا خلال حكم نتنياهو وأثار جدلًا واسعًا حول مسؤوليته السياسية.

الخاتمة: عدوّان في الميدان.. ونتائج قد تخدم المشروعين المتعارضين

تكشف قراءة تاريخ حماس واليمين الإسرائيلي أن العداء العسكري المباشر لا يمنع نشوء نتائج سياسية متبادلة المنفعة في بعض المراحل.

فقد أضعفت عمليات مسلحة الثقة الإسرائيلية بمسار التفاوض في لحظات انتخابية حساسة، بينما ساعد استمرار الانقسام الفلسطيني على توفير حجة سياسية لمعارضي الدولة الفلسطينية. وفي الاتجاه المقابل، غذّت سياسات الاحتلال والاستيطان والحروب الإسرائيلية الخطاب الذي يرفض التسوية ويقدم المواجهة المسلحة باعتبارها الخيار الوحيد.

لكن هذه الحلقة لم تكن ثابتة ولا متكافئة؛ فقد تحمل المدنيون الفلسطينيون والإسرائيليون خسائر بشرية، بينما بقي الفلسطينيون واقعين تحت الاحتلال وتداعيات الانقسام والحروب، ولم يثبت أن كل تصعيد عاد بمكاسب انتخابية على اليمين أو على نتنياهو شخصيًا.

والاستنتاج الأهم ليس أن حماس واليمين الإسرائيلي حليفان، بل أن بعض خياراتهما وسياساتهما أسهمت، في محطات محددة، في إضعاف البدائل السياسية التي كان يمكن أن تنافس منطق المواجهة المستمرة.

وبعد نحو أربعة عقود من تأسيس حماس، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على جميع القوى الفلسطينية والإسرائيلية: هل تُقاس الاستراتيجيات بما تعلنه من أهداف، أم بما تتركه من نتائج على الأرض وحياة الناس وفرص تحقيق الحقوق والسلام؟

المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن