
بقلم: وفاء نصر شهاب الدين – مصر
في زمن تتسارع فيه المغريات الرقمية، وتتنافس فيه الشاشات على جذب انتباه أبنائنا بعيداً عن الكتب ومصادر العلم والمعرفة، ظهرت قامة عظيمة رغم صغر سنها، فألهمت الملايين للعودة إلى ثقافتنا ولغتنا العربية، التي تواجه تحديات متزايدة في عالم باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من حياة الأجيال الجديدة.
إنها الطالبة المصرية ميار محمد رجب عثمان، المعروفة أيضاً باسم ميار الشوربجي، ابنة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، التي تُوجت بالمركز الأول في الدورة العاشرة من مسابقة «تحدي القراءة العربي» لعام 2026، لتقدم نموذجاً ملهماً لما يمكن أن تصنعه القراءة حين تتحول إلى شغف ومشروع حياة.
ميار عثمان.. حين تصنع القراءة بطلة
لم تكن ميار، ابنة برج البرلس، سوى قمر جديد أضاء سماء الثقافة العربية، فكشفت أضواؤه عن حقيقة مؤلمة، وهي أن كثيراً من أبنائنا باتوا يبتعدون عن الكتب بوصفها مصدراً أساسياً للمعرفة، ويعتمدون بصورة متزايدة على المنشورات السريعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولست أقلل من قيمة هذه الوسائل أو دورها في نقل المعلومات وتبادل الأفكار، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحل محل القراءة المتعمقة، التي تبني العقل وتوسع المدارك وتمنح الإنسان القدرة على الفهم والتحليل والنقد.
لم يكن وصول ميار إلى منصة التتويج وليد الصدفة، بل ثمرة رحلة طويلة من المثابرة والشغف بالاطلاع، واجتياز مراحل تنافسية صعبة ضمن مسابقة شهدت مشاركة أكثر من 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة في تصفياتها.
لقد أثبتت ميار، من خلال هذا المشروع الثقافي الكبير الذي يسعى إلى تعزيز مكانة اللغة العربية وغرس حب القراءة في نفوس الأجيال الجديدة، أن العقول المصرية القادرة على الإبداع لا تنضب، وأن التفوق الحقيقي يمكن أن يبدأ من مدرسة بسيطة وبيت يؤمن بقيمة العلم.
رسالة ميار إلى الأجيال الجديدة: لا يحتاج الإنسان إلى أن ينتمي لطبقة اجتماعية بعينها حتى يصنع نجاحه؛ فالقراءة والاجتهاد والمثابرة قادرة على فتح أبواب التميز أمام المواهب أينما وُجدت.
إنجاز يتجاوز حدود المسابقة
إن قصة ميار الشوربجي ليست مجرد فوز بمسابقة ثقافية، بل رسالة أمل لكل طفل وشاب عربي بأن الكتاب يمكن أن يكون الصديق الأوفى والجسر الحقيقي نحو المستقبل.
لقد أصبحت نموذجاً يُحتذى به وسفيرة للثقافة والوعي، نترقب بشغف ما ستسطره في قادم الأيام من محطات النجاح والإنجاز.
وما يزيد من قيمة هذا الإنجاز أنه جاء في زمن أصبحت فيه الشهرة السريعة هدفاً لدى بعض الشباب، بينما اختارت ميار طريقاً مختلفاً، طريقاً يحتاج إلى الصبر والتعلم والالتزام.
لماذا ننتقد النجاح بدلاً من الاحتفاء به؟
ورغم ما حققته ميار من إنجاز استثنائي، فإنها لم تسلم من بعض الانتقادات التي طالت طريقة حديثها باللغة العربية الفصحى، ووصل بعضها إلى التشكيك في أسلوب إلقائها وربطه بمحاولة تقليد لهجات خليجية.
وأرى أن هذه الانتقادات تغفل حقيقة مهمة، وهي أن للخطابة والإلقاء المدرسي تقاليد معروفة في مدارسنا المصرية، وأن الأداء بالفصحى يختلف بطبيعته عن الحديث اليومي باللهجات المحلية.
وقد كنت، حين كنت طالبة، أقرأ الشعر والنصوص الأدبية بالطريقة نفسها التي دربنا عليها أساتذتنا، من حيث وضوح مخارج الحروف والالتزام بالفصحى والنبرة الخطابية المناسبة للنص.
ولذلك فإنني أستغرب اختزال إنجاز علمي وثقافي بهذا الحجم في طريقة نطق بعض الكلمات أو نبرة الصوت، بدلاً من مناقشة ما حققته الطالبة من معرفة وقدرة على التعبير والتحليل.
النجاح لا يُقاس باللهجة: قيمة المسابقات القرائية لا تكمن في جمال الإلقاء وحده، وإنما في الفهم والاستيعاب والقدرة على مناقشة الأفكار والتعبير عنها بلغة سليمة وواضحة.
الفصحى ليست حكراً على بلد عربي
اللغة العربية الفصحى ليست لهجة مصرية أو خليجية أو شامية، بل لغة جامعة لكل العرب، ومن حق أبنائنا أن يتقنوها وأن يتحدثوا بها بثقة دون أن يصبح ذلك مدعاة للسخرية أو التشكيك.
ومن الظلم أن نحمّل طفلة صغيرة مسؤولية تصورات مسبقة عن اللهجات والبلدان، أو أن نضع نجاحها في مواجهة انتماءات لا علاقة لها بالقراءة والثقافة.
إن المطلوب هو تشجيع ميار وغيرها من الأطفال الموهوبين على تطوير قدراتهم، وتقديم النقد البنّاء حين يكون ضرورياً، دون الانتقاص من جهودهم أو التقليل من قيمة ما أنجزوه.
ابنة الريف المصري تقدم درساً في الطموح
لا ينبغي لأحد أن يستكثر على ميار نجاحها لأنها فتاة من مدينة مصرية بعيدة عن الأضواء، أو لأنها لا تنتمي إلى ما يسمى بالطبقة المخملية.
لقد استحقت الاحتفاء بما بذلته من جهد وتعب ومثابرة، وبما قدمته من صورة مشرقة للطفل المصري القادر على منافسة أقرانه في المحافل الثقافية الكبرى.
وبدلاً من أن يكون مفهوم «نمبر وان» مرتبطاً حصرياً بالشهرة والانتشار على المنصات الرقمية، تقدم لنا ميار معنى آخر للتميز؛ معنى يرتبط بالكتاب والعلم والقدرة على بناء الذات.
إنها، في نظري، نموذج حقيقي يستحق أن يكون نبراساً وملهماً لأطفال مصر والوطن العربي.
المدرسة والمعلمات شريكات في صناعة الإنجاز
وأريد أن أشيد، في نهاية مقالي، بمدرسة ميار ومعلماتها، فقد لفتت انتباهي خلال اليومين الماضيين مقاطع مصورة لزميلاتها وهن يقدمن التهنئة لها بلغة عربية فصيحة أبهرتني.
وهنا أدركت أن ميار ليست الموهبة الوحيدة التي تمتلك هذه القدرة على التعبير، وأن وراءها بيئة مدرسية تهتم باللغة العربية وتشجع الطالبات على إتقانها والثقة في استخدامها.
إن هذه التجربة تستحق الدراسة والاستفادة منها في مدارس مصر، حتى تصبح القراءة والأنشطة الثقافية والتدريب على الخطابة جزءاً أصيلاً من العملية التعليمية، لا مجرد نشاط موسمي ينتهي بانتهاء المسابقة.
فالأبطال لا تصنعهم الجوائز وحدها، وإنما تصنعهم أسر تؤمن بهم، ومعلمات يكتشفن مواهبهم، ومدارس تفتح أمامهم أبواب المعرفة.
نحتاج إلى آلاف النسخ من تجربة ميار
إن فوز ميار يجب ألا يمر بوصفه خبراً سعيداً نتداوله لأيام ثم ننساه، بل ينبغي أن يكون بداية لحوار جاد حول كيفية إعادة الكتاب إلى حياة أطفالنا، وإحياء مسابقات القراءة والكتابة والخطابة في المدارس.
نحتاج إلى مكتبات مدرسية نابضة بالحياة، وإلى معلمين يؤمنون بأن الثقافة ليست ترفاً، وإلى أسر تدرك أن بناء عقل الطفل لا يقل أهمية عن نجاحه في الامتحانات.
وإذا كانت ميار قد استطاعت أن تصل إلى منصة التتويج العربية، فإن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: كم ميار أخرى تنتظر من يكتشف موهبتها ويمنحها الفرصة؟
كلمة أخيرة: تحية إلى ميار عثمان، وإلى أسرتها ومدرستها ومعلماتها، وإلى كل طفل يختار الكتاب في زمن الشاشات. فالقراءة لا تصنع الفائزين في المسابقات فحسب، بل تصنع الإنسان القادر على التفكير والتمييز والإبداع. ولتكن قصة ميار بداية لصناعة أبطال جدد في كل مدرسة مصرية وعربية.
وفاء نصر شهاب الدين – كاتبة من مصر
نُشر في نداء الوطن – قسم المقالات والآراء.