خالد رغدان يكتب: الأمان العاطفي.. حين يتوقف الإنسان عن الدفاع عن نفسه

خالد رغدان يكتب: الأمان العاطفي.. حين يتوقف الإنسان عن الدفاع عن نفسه

بقلم: خالد رغدان – أخصائي نفسي

ليس أكثر إيلامًا من أن تكون في علاقة يُفترض أنها مصدر راحتك، ثم تجد نفسك مضطرًا إلى مراقبة كلماتك، وحساب ردود أفعالك، وإخفاء بعض مشاعرك، والتفكير طويلًا قبل أن تعبّر عما يزعجك؛ خوفًا من سوء الفهم، أو العقاب بالصمت، أو الانسحاب، أو التقليل من شأنك.

هنا لا نتحدث عن غياب الحب بالضرورة، بل عن غياب شيء أكثر عمقًا وتأثيرًا: الأمان العاطفي.

الأمان العاطفي ليس أن تجد شخصًا يوافقك دائمًا، ولا أن تعيش علاقة خالية من الخلافات، وإنما أن تشعر بأن اختلافك لن يهدد مكانتك، وأن تعبيرك عن الألم لن يتحول إلى إدانة لك، وأن لحظات ضعفك لن تُستخدم ضدك في لحظات الخلاف.

ما الأمان العاطفي من منظور علم النفس؟

من منظور علم النفس، يرتبط الأمان العاطفي بإحساس الفرد بالقبول والاستقرار والثقة داخل علاقاته، وبقدرته على التعبير عن احتياجاته ومخاوفه دون توقع مستمر للرفض أو الإذلال أو التهديد.

وهذا الإحساس لا ينشأ من الكلمات الجميلة وحدها، بل يتشكل عبر تكرار الخبرات اليومية، وطبيعة الاستجابة للمشاعر والاختلافات.

والمفارقة أن بعض الناس لا ينسحبون من العلاقات لأنهم توقفوا عن الحب، بل لأنهم تعبوا من الشعور بعدم الأمان داخلها.

عندما يتحول التواصل إلى حذر دائم

فالإنسان الذي يتعرض باستمرار للاستهزاء بمشاعره قد يتعلم الصمت، والذي يُقابل غضبه بالتهديد قد يتعلم كبت اعتراضه، والذي يُعاقب على مصارحته قد يتعلم إخفاء الحقيقة.

ومع مرور الوقت، تتحول العلاقة من مساحة للتواصل إلى مساحة للحذر، ويصبح جزء كبير من طاقة الإنسان النفسية موجهًا لتجنب ردود أفعال الطرف الآخر، بدلًا من بناء علاقة صحية معه.

ليس كل صمت دليلًا على الرضا، وليس كل هدوء علامة على الاستقرار. فقد يصمت الإنسان لأنه فقد الأمل في أن يُفهم، وقد يتوقف عن الشكوى لأنه اكتشف أن التعبير عن الألم يزيد ألمه.

الأمان العاطفي مسؤولية مشتركة

الأمان العاطفي لا يُقاس بعدد مرات قول «أنا أحبك»، بل بمدى قدرة الإنسان على أن يكون صادقًا دون أن يخشى خسارة كرامته.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأمان العاطفي مسؤولية الطرف الآخر وحده، والحقيقة أنه مسؤولية مشتركة؛ فكما نحتاج إلى شريك يحترم مشاعرنا، نحتاج نحن أيضًا إلى تعلم الإصغاء، وتنظيم الانفعالات، واحترام الحدود، والقدرة على الاختلاف دون تهديد أو ابتزاز عاطفي.

كيف نبني الأمان العاطفي في العلاقات؟

لبناء هذا الأمان، هناك ممارسات بسيطة، لكنها عميقة الأثر، يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا في طبيعة العلاقة:

  • احترام المشاعر: السماح للطرف الآخر بالتعبير عما يشعر به دون السخرية منه أو التقليل من شأنه.
  • الاختلاف دون صراع: تعلم الاختلاف دون تحويل كل خلاف إلى معركة لإثبات من الأقوى.
  • الاعتذار الصادق: أن يكون الاعتذار اعترافًا بالخطأ، لا وسيلة مؤقتة لإنهاء النقاش.
  • احترام الحدود: مراعاة خصوصية الطرف الآخر وحدوده النفسية والشخصية.
  • حماية نقاط الضعف: تجنب استخدام الأسرار الشخصية أو لحظات الضعف سلاحًا أثناء الخلاف.
  • الاتساق بين القول والفعل: أن تكون الأفعال متسقة مع الوعود؛ لأن الثقة تُبنى بالتكرار، لا بالكلمات وحدها.

كيف تؤثر الخبرات السابقة في الشعور بالأمان؟

من المهم أن نفهم أن الإنسان الذي نشأ في بيئة عاطفية غير مستقرة قد يجد صعوبة في تصديق العلاقات الآمنة، أو قد يفسر القرب باعتباره تهديدًا، والاهتمام باعتباره مقدمة لخيبة جديدة.

ولذلك لا يكفي أن نقول له: «ثق بالآخرين»، بل قد يحتاج أحيانًا إلى فهم خبراته السابقة، وإعادة بناء تصوره عن العلاقات، والتدرب تدريجيًا على الثقة والتعبير عن الاحتياجات.

وهذا لا يعني أن كل صعوبة في الثقة دليل على اضطراب نفسي، أو أن كل علاقة متوترة تحتاج بالضرورة إلى تفسير مرضي؛ فلكل إنسان خبراته وسياقه، ولكل علاقة ظروفها.

العلاقة الآمنة لا تستنزف الإنسان نفسيًا

من واقع الممارسة النفسية، أرى أن أحد أكثر الاحتياجات الإنسانية التي لا يُعبّر عنها بوضوح هو احتياج الإنسان إلى علاقة لا تستنزف طاقته النفسية في حالة ترقب دائم.

نحن لا نبحث فقط عمن يسمع حكاياتنا، بل عمن نستطيع أمامه أن نحكي دون أن نُحاكم، وأن نخطئ دون أن نفقد قيمتنا، وأن نختلف دون أن نشعر بأن العلاقة أصبحت مهددة.

الأمان العاطفي الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان التعبير عن مشاعره واحتياجاته، وأن يشعر بأن كرامته محفوظة حتى في أوقات الخلاف، وأن الصراحة لا تعني بالضرورة خسارة العلاقة.

حين تستطيع أن تكون على طبيعتك

وفي النهاية، ربما لا يكون أجمل ما تقدمه لشخص تحبه أن تجعله سعيدًا طوال الوقت، فهذا أمر لا يستطيع أحد ضمانه، وإنما أن تجعله يشعر بأنه يستطيع أن يكون على طبيعته، حتى في الأيام التي لا يكون فيها سعيدًا.

فالعلاقة الآمنة ليست تلك التي لا يتألم فيها الإنسان، بل تلك التي لا يضطر فيها إلى إخفاء ألمه حتى يحافظ عليها.

بقلم: خالد رغدان

أخصائي نفسي

مدير الوحدة النفسية بالمركز القومي لعلوم المخ والأعصاب

المصدر – الموقع الرسمي: نداء الوطن